عندما يتعارض الحركي مع المهني
حسين – الجزائر
أعمل منذ زمن بعيد في حركة إسلامية، آمنت بمنهجها السليم، وأنا عضو مكتبها التنفيذي منذ مدة طويلة.
ولكن وظيفتي التنظيمية ضمن المكتب تتعارض مع مهنتي كطبيب، فأنا لي مرضى يأتون إليّ من أماكن بعيدة قد تصل إلى 80 كم، وفي بعض الأحيان يأتي أحدهم في مرحلة حرجة، مع العلم أنه يوجد في المدينة مستشفى، ولكنهم لا يذهبون إليها إلا اضطرارا، وقد يأتون وأنا خارج أوقات عملي الرسمية، فأكون في حرج.
هل أترك مهمتي في الحركة مثل: اجتماع مكتب أو تنفيذ خطة تنظيمية للحركة؛ لأجيب هذا المريض، مع ما قد يترتب عليه من تذمر إخواني في الحركة، وتعطيل للعمل، أم لا أستجيب لهذا المريض؟
وكيف لي أن أتحمل نتائج عدم علاجه والعناية به؟ وقد حدث في كثير من الأحيان أن ينتظرني المريض يوما أو يومين، فيتفاقم مرضه وتحدث له مضاعفات.
هذا مع العلم أن أبناء الحركة كثيرون، ولكن لا فعالية لهم، وقد طلبت تفريغي، ولكنه رفض.
أفتوني في أمري، وجزاكم الله خيرا.
يقول الأستاذ فتحي عبد الستار:
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ..
مرحبا بك أخي حسين، وبجميع إخواننا في الجزائر، وأسأل الله عز وجل أن يبارك لك في وقتك، ويتقبل منك جهدك.
حقيقة – أخي الكريم – لا يجب أبدا أن يكون هناك مفاصلة بين العمل الدعوي والعمل الحياتي، باعتبار أن كلا منهما له وقته وله ترتيباته وظروفه، فالمسلم – أي مسلم – يؤمن بأن حياته كلها هي لله عز وجل، وفي سبيله، يقول جل وعلا: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
والمسلم داعية في كل مكان يكون فيه، وفي أي مجال يعمل فيه، فهو داعية في بيته، وفي شارعه، وفي متجره، وفي مصنعه، وفي مستشفاه، وفي مدرسته، وفي عيادته، حتى وإن سُجِن فهو داعية في سجنه، ولنا في يوسف عليه السلام أسوة حسنة، إذ مارس الدعوة وهو في السجن مع صاحبيه.
إذا استقر هذا المفهوم – أخي الكريم – في عقل الداعية وعقل من يعملون معه من إخوانه في حقل الدعوة، قادة ومربين، فإن الأمور ستكون أيسر وأسهل، ونتائجها أفضل.
فحينما يتخلف الداعية الواعي عن لقاء تنظيمي في حركته الإسلامية التي يعمل من خلالها للقيام بعمله التخصصي المهني في مكان ما، فإنه بذلك – في رأيي – لا يكون قد ضيع واجبا من واجبات الدعوة، حيث إنه سيقوم بواجب دعوي آخر من خلال القيام بهذه المهمة المهنية، وقد يكون عائده أفضل وأجره أكبر.
فما بالنا بالطبيب الذي يحتاج إليه كثير من الناس، ولا يستطيع غيره أن يقوم بما يقوم هو به، من علاج للمرضى وتخفيف للآلام، وما قد يقدمه للدعوة من خلال عمله مع مرضاه وزملائه، كيف لنا ألا نعتبر ذلك كله من المهام الدعوية العظيمة، وننكر قيمتها أمام لقاء تنظيمي قد لا يؤثر غيابه عنه كثيرا على إنجاز العمل.
لست هنا بالطبع في مجال المقارنة والتفضيل، فكل موقف يقدر بقدره، وكل حالة تقدر بحالتها، والمطلوب من الداعية بالطبع أن يحاول التوفيق بين واجباته المختلفة في الحياة، وأن يوازن بينها، وأن يجتهد في تنظيم وقته ومحاولة الجمع بين تلك الأعمال والواجبات، أما إذا حدث تعارض في نفس الوقت بين عملين، فحينئذ ينبغي أن يقدم الأولى، ويتحدد الأولى بناء على معطيات كثيرة، ينبغي أن يزنها الداعية ويقدرها هو وإخوانه.
ولا أظن أن هناك من يرضى مثلا بترك مريض يتألم أو إنسان مشرف على الموت دون إنقاذه، في سبيل حضور اجتماع تناقش فيه بعض الأمور الحركية، التي قد يناقشها بعض من لديه الوقت لمناقشتها، ويرجعون بنتائجها في النهاية إلى المتغيب عنهم، يأخذون رأيه فيها لاحقا أو يعلموه بما توصلوا إليه، هذا إن لم يتيسر التأجيل.
إذن فالأصل هو الجمع بين الواجبات والتنسيق، وأن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وفي حالة الضرورة نقدم الأولى، وفي هذا أذكر قاعدة ابن تيمية الذهبية التي يقول فيها: (إذا تعارض واجبان قدم أوكدهما، ولا يعتبر المتروك في هذه الحالة واجبا).
وإني أوصي قادة العمل الإسلامي بأن يراعوا في تقسيم الأعمال على الدعاة ألا يثقلوا إخوانهم الذين يعملون مع المجتمع بشكل مباشر كالأطباء وغيرهم بالأعمال الإدارية، التي يمكن أن يقوم بها غيرهم ممن لديه الوقت والقدرة للقيام بتلك الأعمال، وأن يكون لديهم المرونة الكافية في التعامل مع أصحاب تلك المهن التي تتطلب ظروف عملهم استدعاءهم في أي وقت؛ لإنقاذ حياة إنسان أو القيام بمهمة عاجلة فيها نفع للمسلمين.
تقبل الله منا ومنكم صالح العمل.
(نشرت على شبكة إسلام أون لاين)
نشر بتاريخ: 21 فبراير, 2007 التصنيف: استشارات دعـــويـة.
ردود: 1
[ 937 قراءة للموضوع ]
صاحب/ة الرد : أبو إياد
21 فبراير 2007, 4:25 ص
السلام عليكم
أرى أن كلا العملين فيه إنقاذ لحياة الانسان …
ليت السائل يطالع كتاب محمد الراشد “صناعة الحياة”
كونوا بخير جميعا














كتابة تعليق