اختلاف المذاهب في الغربة.. الإسلام يجمعنا
-Rami
عزيزي الأخ فتحي عبد الستار..
أود أن أعبر لك عن إعجابي وتقديري لشخصيتك الإسلامية، وهذا ما اتضح من خلال إجاباتك في موقع إسلام أون لاين، وهذا ما دفعني إلى أن أطرح عليك سؤالي:
أنا طالب في جامعة “curtin” بأستراليا، وأنا أقوم بعمل دكتوراة، وغالبًا ما أهتم بأداء الصلاة في مصلى الجامعة، ونحن جميعا طلاب هنا من خلفيات مختلفة “سنة- إباضية- شيعة”، ولكننا دائما ما نجتمع للصلاة.
والسنة التي تمثل الأغلبية هي التي تتولي دائما الإمامة في الصلاة، وأنا متواجد هناك منذ أكثر من سنتين، ولم توجد مشكلات على الإطلاق، إلى أن قام أحد الإخوة من الفرقة الإباضية بإبداء رغبته في إمامة الصلاة، وقام أحد الإخوة من السنة بمنعه، وأخبره بأن هذا مسجد أهل السنة والجماعة، مما أثار غضب الإخوة الإباضية، وقالوا: إن هذا مسجد للمسلمين جميعًا، وذهب الإخوة الإباضية إلى إدارة الجامعة، وتقدموا بشكوى ضد السنة!
وفي الواقع كان لي موقف محايد، لا مع السنة ولا الإباضية، نظرًا لأن لي العديد من الأصدقاء من الإباضية، وقد طلب الإخوة من السنة أن أقف بجانبهم وأدعم موقفهم، نظرًا لأن أتباع الإباضية يهدفون إلى تحويل أهل السنة إلى الإباضية، وقد ادعى الإباضية أن ذلك كله كذب، وفي واقع الأمر فقد تحول اثنين من أهل السنة إلى الإباضية، وأنا ينتابني شك حول علاقتي بالإباضية، نظرًا لأن أحدهم يقيم معي في الوقت الحاضر.
دائما ما أتصور أن السنة يبالغون في تصوير الأشياء، إلا أنني قد لاحظت أن الأخ الذي يقيم معي قد وضع كتيبات عن مذهب الإباضية على المائدة في حجرة الجلوس، وعن المنهج والعقيدة الخاصة بهم، وهذا ما دفعني إلى أن أعتقد أن حكم السنة عليهم كان حكمًا صائبًا، وأن لديهم بالفعل عقيدة فاسدة، ويعتقدون أنهم المذهب الوحيد الحق، وهذا ما قرأته في الكتيب، وهذا ما توصلت إليه، أن هدف هذا الأخ الذي يسكن معي هو تحويلي إلى مذهبه.
والسؤال الذي أطرحه الآن:
أولا؛ كيف أتصرف مع الصديق الإباضي الذي يسكن معي؟ وكيف يتصرف معه الإخوة الآخرين؟
ثانيا؛ قال الشيخ ابن باز: “إن الإباضية كفار خوارج”، فهل أعتقد ذلك وآخذه مأخذ الجد؟
اعلم يا صديقي العزيز أنه ينتابني قلق شديد، فحاول أن تساعدني في تحديد كيف لي أن أتصرف في هذا الموضوع.. جزاك الله خيرًا؛ وأنا قمت بأداء صلاة الاستخارة عدة مرات، وما زلت مضطربًا، هل لي أن أطرده من منزلي؟ وهل أقطع علاقتي بمن ينتهجون منهج الإباضية؟
**********
يقول الأستاذ فتحي عبد الستار:
أخي الحبيب رامي؛
أشكرك على كلماتك الطيبة وثنائك الرقيق على شخصي المتواضع، وأسأل الله عز وجل أن يرزقني وإياك الإخلاص والقبول في القول والعمل، وأن يبارك في أعمار وجهود علمائنا وأساتذتنا، ويرحم مَن لاقى وجه ربه منهم، ويتقبله في الصالحين، وبعد..
فشكر الله لك ولإخوانك المقيمين معك في هذه البلاد حرصكم على إقامة شعائر دينكم والمحافظة عليها، وأدعوه سبحانه أن يثبِّتكم على الحق ويثبِّت الحق بكم.
وفي الحقيقة فإن المشكلة التي وصفتها في رسالتك هي مشكلة متكررة بين المسلمين المقيمين في بلاد غير إسلامية، حيث يلتقي في هذه البلاد مسلمون من بلاد شتى ومذاهب شتى وخلفيات ثقافية واجتماعية شتى، وطبائع شتى، وينتج عن هذا المزيج بطبيعة الحال بعض الخلافات في مناحي الحياة المختلفة، ويتأثر تبعا لذلك المنحى العبادي والدعوي.
وإن أخطر الآفات التي تتهدد المسلمين في تلك البلاد هي التي تنبع من داخلهم وتُصنَع بأيديهم، كتشرذمهم وتفرقهم وتنازعهم فيما بينهم، ونقلهم المشكلات الإقليمية إلى الساحات الدولية، ولا شك أن هذه الأمور تجلب عليهم الفشل والخذلان، وضياع هيبتهم، وتشويه صورتهم أمام العالمين، كما أنبأ ربنا عز وجل، حيث حذر المؤمنين ونهاهم قائلاً: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
وإن كانت الاستجابة لهذا النهي الرباني واجبة في حق المسلمين عمومًا، فهي في حق الأقليات المسلمة أوجب، فإن “ألف باء” فقه الأقليات هو الحرص على وحدة الصف في كل الظروف، وعدم التشرذم والتنازع.
لذا –أخي- ما كان ينبغي أبدًا تصعيد الأمور لإدارة الجامعة، وأغلب الظن أن القائمين عليها من غير المسلمين، فحينما يصل إليهم تنازع المسلمين فيما بينهم، فإن هذا يؤدي إلى اهتزاز صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، ويثير الشماتة في نفوسهم، ويجعلهم يميلون إلى تصديق ما يقال ويذاع وينشر في وسائل الإعلام المغرضة عن الإسلام والمسلمين، وقد يدفعهم هذا لاتخاذ إجراءات معينة تعيق قيام المسلمين بواجباتهم العبادية والدعوية.
وعلى هذا الأساس -أخي الكريم- أرى أنه لا مانع من تناوب الإمامة بين أتباع المذاهب المختلفة، بل من الأفضل أن يحدث ذلك لتأليف القلوب واجتماعها بدلا من تفرقها وتنافرها؛ ولا داعي لتحويل المسألة إلى معركة بين فريقين أو بين عدوين، يحاول كل طرف فيها أن يحشد حوله الأنصار، ويستقطب إليه الأفراد، فالأمر لا يتحمل هذا كله.
أخي الحبيب؛
فلتعلَم ولتُعلِم إخوانك أن من علامات غضب الله عز وجل علينا وعدم رضاه، أن يشغلنا بأنفسنا عن دعوة الناس إلى الحق الذي نحمله، وأن يجعل بأسنا بيننا شديدا.
إن من واجب المسلمين الذين يعيشون في البلاد غير الإسلامية أن يتعلموا فقه الأقليات، وفقه الغربة، ليعرفوا كيف يتعاملون فيما بينهم أولاً، وكيف يتعاملون ثانيًا مع المجتمع الذي يعيشون فيه، وكيف يقدمون له الصورة الحقيقية النقية للإسلام ليرغِّبوهم في اعتناقه والإيمان به.
ولا ينبغي أبدا أن ينشغل المسلمون –في هذه الظروف- بتحويل مسلم من مذهب إلى مذهب، بقدر ما يشغلهم دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
أخي رامي؛
لا تطرد أخاك الإباضي، ولا تقطع علاقتك بإخوانك الإباضيين، بل احفظ مودتهم وحافظ على كرامتهم، وعاملهم كإخوة مسلمين، لهم الكثير من الحقوق عليك وعلى غيرك من إخوانك المسلمين السنة.
ومع احترامي لقول العالم الجليل ابن باز –إن ثبُت، وينبغي التحقق من ذلك قبل نقله– فإن هناك غيره الكثير من العلماء الذين لم يكفروا الإباضية، ولم يخرجوهم من الملة، بل اعتبروهم أصحاب مذهب محترم.
واعلم أخي أنه لا ينبغي أبدًا الحكم على فكرة ما أو مذهب ما أو طائفة ما، من خلال مجرد قراءة الكتابات القديمة عنها، دون النظر للحراك العلمي والاجتماعي والثقافي المتواصل، والذي يؤثر في تلك الأفكار والمذاهب، وقد يُحدِث فيها تغييرا جوهريا كبيرا.. لذا إن أردتَ أن تحكم على صحة فكرة أو فسادها، فتعرف أولا إلام انتهت إليه وما هي عليه الآن، ثم احكم عليها طبقا للكتاب والسنة وأقوال العلماء في الذي انتهت إليه فعلا، وليس في ماضيها.
وفي النهاية أسأل الله عز وجل أن يؤلف بين قلوبكم، ويصلح ذات بينكم، ويهديكم سبل السلام، إنه سبحانه على كل شيء قدير.
وأرجو أن توافينا بالتطورات، وإن شاء الله تكون مبشرة.
نشر بتاريخ: 15 نوفمبر, 2006 التصنيف: استشارات دعـــويـة.
ردود: 11
[ 884 قراءة للموضوع ]
صاحب/ة الرد : بنت الوهيبي
31 يوليو 2007, 1:38 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي الطيب….
نحن الاباضيه قد نشأنا في بيئه ومجتمع لا يفرق بين المذاهب ولا يعرف خلق التعصب..تربينا على ان كل من يقول اشهد ان لا اله الا الله محمد رسول الله – اخوان لنا في الدين ..
اما النزعه التحويليه..ان احول فلان الى مذهبي…والنزعه التعصبيه لم تكن فينا اخي…
نصلي في موطننا السني الى جانب الاباضي الى جانب الشيعي…نعم الامام في وطني اباضي… ولكن عندما نذهب للعمره او الحج فإن الامام سني …ولا نرى اي اختلاف…
أخي الطيب// قبل كل شي واي شي نحن ارواح…انعم الله علينا بنعمه بالغه..نعمة الاسلام..
نحن اولى الناس بحفظ هذه النعمه لان نحن مستقبل الامه…هل نستمر في التقاتل المذهبي ام هل نتفق على ان لا نختلف…
وما يضير ان اكون صاحب فكر مختلف
والكل اصحاب عقيده واحده وربنا رب واحد
وما الضرر في ان احمل معي كتب الاباضيه ….ههههه .. امر غريب تدري في مكتبة منزلنا يوجد الكثير من الكتب لمؤلفين من المذهب السني والمذهب الشيعي والمذهب الاباضي وعادي نقرأ للكل …ما في شي ممنوع … هذا فكر وهذه طريقة حياه وهذا منهج …وكل واحد ياخذ اللي يبغاه…
أخي الطيب
خلي بالك على اخوانك المسلمين…ولا توصل بكم الامور الى هذا الحد…((الطرد عاد))
……هذا وتقبلوا فائق الاحترام والتقدير))
أختكم من سلطنة عمان/ بنت الوهيبي
صاحب/ة الرد : alkashef
9 نوفمبر 2007, 11:22 م
الاباضيه
عرفو اهله قديما بأهل الحق والاستقامه بشهادة كل كتب التاريخ= المذهب الاباضي في العصر الحديث (هو المذهب الذي اعتبره الكثير من مسلمين العالم بالمذهب المحيّر والبعض سماه بالمذهب اللي يجنن وذلك لأسباب عديده وسؤلخص
بعضها في هذا الموضوع
1- قام الكثير من اتباع المذاهب الاخرى بانتقاد وسب ونسبهم الى الخوارج وقذف لهذا المذهب ولاتباعه ولكن لحسن الحظ ان اكثر القراء في هذه الايام يتتبعون المعلومات عن المذهب من اهل المذهب نفسه ومن مواقعهم على الانتر نت= وهذا طبيعي لأنه لا يوجد مريض يبحث عن علاج من النجار بدلا عن الطبيب= فيتفاجؤن من قدر الكذب والافتراء الذي ينسب اليهم من مخالفيهيم ثم يبدأ القارئ بالتشكك في اقوال المؤلفين الذين يؤلفون نظرياتهم الخاصه وينقلونها من موقع الى موقع اخر في النت ومنهم من يفعل ذلك لمجرد انه هو بنفسه يكن للاباضية الكره والعداء الشديد بعد ان انكشف مدى الكذب الذي مال به وفضّحه -فبدأ بأسلوب المراوغه والتلطف حتى يبرئ نفسه من تهمة الكذب والافتراء التي ثبتت عليه – فيبدأ حينها يظاهر بمذهبه حتى يجد من يشجعه على ذلك لمجرد الانحيازيه المذهبيه – ويتعامل مع دين الله كأنه فريق لكرة القدم -وهو ضد الفريق الاباضي مهما كلف الامر ومهما اتضحت عنده صدق احقية هذا المذهب الى القرآن والسنة الصحيحه – وينسى ان المسألة خطيره وليست كالمباراة هنا بل = المسألة الواقعيه والحقيقيه هي كما قال الله عز وجل فريق في الجنة وفريق في السعير
)) 2-الذي زاد الطين بلّة عند هؤلاء هو ان معتنقي المذهب الاباضي من مذاهب اخرى هم من العلماء الدين الذين كانو يجندونهم ضد المذهب الاباضي ويتفاجؤن بالصدمه الكبرى عندما يتغيّر عالم هم يشهدون له بالعلم الى الى اباضي فلا يجدو حينها حلا الا سب ذلك العالم والاستهزاء به حتى لا يقتنع الاخرين به او يقتدي به لأنهم اعتبروه حينها خطرا ويجب القضاء عليه سريعا فيبدؤن في طباعة اكاذيب مزخرفه بآيات من القرآن واحاديث نبويه درسوها من اجل استعمالها في المراوغه وتمويه كذبهم وافترائهم على الله ورسوله بغير الحق ولكن سرعان ما يكتشف الباحث عن الحق والاستقامه حقيقة ما يولون اليه هؤلاء فنرى الآن الفرق الشاسع بين من يرفق بالاباضيه وبين من يكرههم حتى وصلت المسأله الى سب بعضهم البعض بهذا الخصوص والخلاصه ان كل من عرف مذهب اهل الحق والاستقامه حق المعرفه مال اليه ميولا شديدا ولكن لسؤ الحظ ان هذا المذهب نادر في اوساط المسلمين فالكثير لا يعرفه لكثرة التغطيه عليه او عرف عن المذهب من طرف من هو يكره المذهب لانحيازيته المذهبيه او السياسيه وامثال هؤلاء كثير
وهذه نصيحه الاهيه في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمۡ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوۡمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصۡبِحُوا عَلَى مَا فَعَلۡتُمۡ نَادِمِينَ))= وهذه الحقيقه جاءت ممن كان يكره هذا المذهب وعندما عرفه قال = الاباضيه تتميّز بنقائها الاسلامي القديم الذي لم تختلط به اضافات انحيازيه مذهبيه روج لها في عهد الفاطميين والعباسيين والامويين والعثمانيين=فهي نقيه مثل النقاء الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم = وهذا هو النقاء الذي يريده كل مسلم وهو يلم بالمختصر والمفيد من غير اضافات تزيينه =تماما كالذهب والذهب يصبح ثمينا بنقائه وصعوبة الوصول اليه
=والذهب النقي نادر ولكن من يجده يثريه =ونسأل الله العظيم ان يجعل هذا النقاء هند اهل الحق والاستقامه ثراء
=وكل من عرف اهل الحق والاستقامه شهد باستقامتهم واجتهادهم في كل سبل العبادة والتركيز عليها دون الفضول في الزوائد الغيبيه التي لم تكن في عهد رسول الله ولا في عهد الصحابه
ويكفينا فخرا ان يعتنق هذا المذهب العلماء ويعترفون بكل فخر بأنهم رأو رسول الله في منامهم يوصيهم بالثبات على الحق والاستقامه = ومن رآى رسول الله في منامه فقد رأه حقا لأن الشيطان لا يتمثل به
ونسأل الله الهُدى والتقى والعفاف والغنى وكف السنتنا عن الناس
ونعوذ بالله من الغيبه والنميمه والشحناء والبغضاء=
اللهم لا تتوفنا الا وأنت راض عنا يا ارحم الراحمين
صاحب/ة الرد : عفراء الهنائي – سلطنة عمان
27 فبراير 2008, 3:02 م
أنا أضم صوتي لأصوات الأخوةالذين سبقوني فالتعليقات مهما كانت الفروقات وأختلاف المذاهب فيما بيننا فكلنا توحدنا عقيدة لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وبما أننا في غربه لماذا لانأزر قلوبنا ونوحدها لإعلاء كلمة الله في كل الميادين وفي كل الأقطار نحن أحفاد رسول الله وكلنا لنا الشرف لأن نقول لكل العالم نحن من سللالة سيدنا محمد صلى الله علية وسلم اللذي أصطفاه وكرم وجهه جعلنا وإياكم ممن نكون في شفاعتة يوم القيامة
صاحب/ة الرد : سهم الحق
2 مارس 2008, 6:11 م
التعريف بالمذهب الاباضي
بذور الفكر الاباضي
يعتبر المذهب الاباضي من اقدم المذاهب الاسلامية فهو ينتمي كما ينتمي غيره من المذذاهب الاسلامية الى الرسول صلى الله عليه وسلم
ان نشأة الفكر الاباضي ، يعود بالدرجة الاولى الى العامل الديني والسياسي الذذي تمثل في مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي من طرف بعض الصحابة والتابعين اللذين انكروا التحكيم على علي بن ابي طالب كرم الله وجهه وفيهم من اهل بدر ومن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة كحرقوص بن زهير السعدي وفروة بن نوفل وسارية بن لجام السعدي ، وكانت هذه النشأة في شوال 37هـ ،وقد رفع اصحاب عبدالله بن وهب الراسبي الشعار التالي : قبلت الدنية ولا حكم الا لله ، وهكذا نرى ان الذين مع علي في صفين متوادعين فروا عليه وعرفو لذلك بالخوارج أو الشراة عند المؤرخين عامة لكن الشيء الوحيد الذي يربط الاباضية بالخوارج هو رفضهم المشترك للتحكيم ، والدعوة الى امامة المسلمين عن طريق حرية الاختتيار والكفاءة الشرعية لهذا المنصب .بين المسلمين جميعاً
ظهور المذهب الاباضي
ظهر المذهب الاباضي في القرن الاول الهجري في البصرة ، فهو اقدم المذاهب الاسلامية على الاطلاق
والتسمية كما هو مشهور عند المذهب ،جاءت من طرف الامويين ونسبوه الى عبد الله بن اباض وهو تابعي عاصر معاوية وتوفي في اواخر ايام عبد المللك بن مروان،وعلة التسمية تعود الى المواقف الكلامية والجدالية والسياسية التي اشتهر بها عبدالله بن اباض في تلك الفترة
شخصية جابر بن زيد
يرجع المذهب الاباضي في نشأته وتأسيسه الى جابر بن زيد الازدي العماني الذي ولد عام 22هـ وهو بذلك يعد اقدم ائمة المذاهب اجمعين فقد ولد اصحاب اللمذاهب الاربعة”الحنفية -الشافعية -المالكية-الحنبلية” بعد مولده رضي الله عنهن والبعض بعد وفاته
وهو امام متحدث فقيه متبحر في الفقه ،امضى بقية حياته بين البصرة والمدينة بشكل جعله على صلة بأكبر فقهاء المسلمين حينذاك .وقد روي عن ابن عباس انه قال للناس : اسألوا جابر بن زيد فلو سأله اهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه
وقد اصبح اعظم فقيه في البصرة وله اتباع عديدون كعبدالله بن اباض ومرداس بن حيدر وابي عبيدة مسلم بن ابي كريمة .ولقد اكتتملت صورة المذذهب الاباضي على يد الاخير واليه انتهت رئاسة الاباضية بعد موت جابر بن زيد وباشارته اسس الاباضية في كل من المغرب وحضرموت دولاً مستقلة وتخرج علىيديه رجال الفكر والدين من مختلف الدول الاسلامية آنذاك والذذين عرفوا بحملة العلم
هل الاباضية فرقة من الخوارج ؟
يجب اولاً معرفة مدلول كلمة الخوارج ،فقد اطلق بعض المؤرخين كلمة الخوارج اولئك الذين اعتزلوا امير المؤمنين علي كرم الله وجهه عندما قبل التحكيم ورضى به ،لانهم في نظر هؤلاء نقضوا بيعة في اعناقهم وخرجوا عن امامة مشروعة . ويطلقها فريق من المتكلمين في اصول العقائد والديانات ،وهم يقصدون بها الخروج عن الدين استناداً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام :”ان ناساً من امتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ” . اما الفريق الثالث :فيطلقها ويقصد بها الجهاد في سببيل الله استناداً لقوله تعالى : “ومن يخرج من بيتته مهاجراً الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله “.سورة النساء الآية 100
فإذا اباح بعض المؤرخين لأنفسهم ان يطلقوا هذه الكلمة “الخوارج” على جميع اولئك المتمسكين بإمامة علي المصرين على انها حق شرعي لايجوز فيه التردد وانه ليس من حق حتى على نفسه ان يشك في امامة اجمعت عليها الامة ولايتساهل فيها ،او يقبل المساومة عليها وان معاوية واتباعه فئة باغية يجب عليهم الرجوع الى حظيرة الامامة والامة اما طوعاً أو كرهًا بنص الكتاب ، فإذا رضخ علي لطلب البغاة ووضع الحق اليقيني موضع الشك ،وتنازل عن الواجب الذي اناطته به الامة وألزمته به البيعة فإن هذه البيعة تنحل من اعناقهم .فهم خيار بعد هذا في آرائهم .
الخوارج في نظر الاباضية
يرى الاباضية ان اطلاق كلمة الخوارج على فرقة من فرق الاسلام لايلاحظ فيه المعنى السياسي الثوري سواء كانت هذه الثورة لاسباب شرعية عندهم أو لاسباب غير شرعية ولذلك فهم لم يطلقوا هذه الكلمة على قتلة عثمان ولا على طلحة والزبير واتباعهما ولاعلى معاوية وجيشه ولاعلى ابن فندين والذين انكروا معه امامة عبد الوهاب الرستمي وانما كل ما يلاحظونه انما هو المعنى الديني الذي يتضمنه حديث المروق والخروج عن الاسلام وهو قوله صلى الله عليه وسلم : “ان ناسًا من امتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلاترى شيئًا ،وتنظر في القدح فلا ترى شيئًا ،وتتمارى في الفوق ” . فليس في امة محمد صلى الله عليه وسلم اشبه شيء بهذه الرواية من اولئك الذين عكسوا الشريعة ، قلبوها ظهراً لبطن وبدلوا الاسماء والاحكام لان المسلمين كانوا على عهد الرسول يعصون ولاتجرى عليهم احكام المشركين ، فأبطلوا الرجم والجلد كأنهم ليسوا من امة محمد صلى الله عليه وسلم ، ففي من نزلت الحدود في المسلمين أم في المشركين ؟
صاحب/ة الرد : زايد المياحي
17 يونيو 2008, 11:23 م
الأستاذ العزيز إلى قلوبنا.. فتحي عبد الستار..
التحية الراقية، والتقدير الكبير..
وجب القول أن تصفحي لموقعك الكريم، جاء محض صدفة، فقد وجدت نفسي أتصفح موقعك عبر محرك البحث على الشبكة، ولعلي هنا أكرر ما قيل: رب صدفة خير من ألف ميعاد.
لقد قرأت المشكلة المذكورة أعلاه، وعرفت أن مشكلة المذهبية قد تعدت حدود كثير من البلاد الإسلامية، وبات المسلمون يعيشون جوا مشحونا بالطائفية والعنصرية، رغم أن ما يوحدهم أسمى من كل هذه النعرات (الصبيانية).
والحق أقول، أن جوابك الكريم يعكس رحابة في الصدر، وبعدا في الأفق، وتميزا في الفكر، ونضارة في الحب والإنتماء إلى الإسلام.
لقد كان جوابك أيها الأستاذ العزيز متقنا فعلا، حكيما والله، رائعا بما تحمله الكلمة من معنى.
…
لقد وجدتُ المسافة شاسعة بين أستاذنا الكبير- فتحي عبدالستار- وبين كثير ممن يدعون فكرا في الإسلام، وعمقا في المذاهب، فكثير من دعاة اليوم هم ذاتهم من يزرعون المذهبية، هم ذاتهم من يروجون حروبا شرسة بين الفرق الإسلامية، والله المستعان.
وجدت نفسي أحييك سيدي العزيز.. من بلدك عُمان..
بارك الله فيك، وكثر من أمثالك..
سلامي وأشواقي
صاحب/ة الرد : الصوافي
18 يونيو 2009, 2:51 م
نسأل الله أن يجمع كل المسلمين على كلمة سواء .. أعجبني رد الدكتور على السائل والذي تبين لي من رده بعده عن التعصب وحبه للم الشمل … أنا إباضي ولكن أحب كل المسلمين وأتألم لمصابهم وافرح لفرحهم .. وروحي وما ملكت فداء لهم …
صاحب/ة الرد : الداعي إلى الله
25 سبتمبر 2009, 2:57 ص
الحمد لله الذي أظهر الحق و أزهق الباطل
أظهر الحق الذي عند أهل الحق و الإستقامة
و أزهق بواطل الحشوية
ثبتكم الله
صاحب/ة الرد : عبدالله محمد
25 سبتمبر 2009, 3:32 م
اسأل الله العظيم رب العرش الكريم
ان يجمع المسلمين على كلمة سواء
انا كنت اباضي لكن ليس معنى هذا ان اجرحهم او اكفرهم او ابدعهم
وانما اقول لكا مجتهد نصيب
وان كان وجوب الرجوع الى اهل الاختصاص في علم الحديث ليس كل من اجتهد في بيته صار عالم للحديث
وكنت اتمنى من الاخ الكاشف ان يكتب
اسماء العلماء(العلماء!!)
الذين رجعوا عن مذهب اهل السنة الى الاباضية بعد ان رأو الرسول
صلى الله عليه وسلم
صاحب/ة الرد : أبو عبدالله
26 سبتمبر 2009, 1:16 م
أخي للفائدة أنقل لك بعض التعليقات التي قرأتها على موضوعك المميز .. أرجو نشر هذا الموضوع لتعم الفائدة .. وجزاك الله خيرا
—————-
هذه المعلومة من موقع إنسان في فحواها ان اثنين من شباب الوهابية انتقلوا الى المذهب الاباضي بعدما اكتشفوا ان مشائخهم الكرام ينقلون لهم معلومات ليس لها أساس من الصحة بشأن الاباضية والزعم بأنهم خوارج وغيرها من القصص المكذوبة على الشباب الوهابي
http://ensan.us/?p=5#comment-4506
فتحي عبد الستار..اختلاف المذاهب في الغربة.. الإسلام يجمعنا
عزيزي الأخ فتحي عبد الستار..
أود أن أعبر لك عن إعجابي وتقديري لشخصيتك الإسلامية، وهذا ما اتضح من خلال إجاباتك في موقع إسلام أون لاين، وهذا ما دفعني إلى أن أطرح عليك سؤالي:
أنا طالب في جامعة “curtin” بأستراليا، وأنا أقوم بعمل دكتوراة، وغالبًا ما أهتم بأداء الصلاة في مصلى الجامعة، ونحن جميعا طلاب هنا من خلفيات مختلفة “سنة- إباضية- شيعة”، ولكننا دائما ما نجتمع للصلاة.
تعليق : الجامعة المذكورة معروفة .. وبها الكثير من الطلبة المسلمين.. وكحال جميع جامعات العالم الغربي خاصة أن إدارة المساجد تكون بأيدي السنة لأنهم يمثلون السواد الأعظم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفي بعض البلدان الأوروبية تم إنشاء اتحاد عام لإدارة مساجد الجامعات.
والسنة التي تمثل الأغلبية هي التي تتولي دائما الإمامة في الصلاة، وأنا متواجد هناك منذ أكثر من سنتين، ولم توجد مشكلات على الإطلاق، إلى أن قام أحد الإخوة من الفرقة الإباضية بإبداء رغبته في إمامة الصلاة،
التعليق : بلا شك أن السنة هم الأغلبية بحمد الله في مشارق الأرض ومغاربها .. وسبب عدم وجود مشكلات لأنهم هم المسيطرون على الأمور فكما ترون عندما تسول للمتعصبين أنفسهم بالتدخل .. تبدأ المشاكل
وقام أحد الإخوة من السنة بمنعه، وأخبره بأن هذا مسجد أهل السنة والجماعة، مما أثار غضب الإخوة الإباضية، وقالوا: إن هذا مسجد للمسلمين جميعًا، وذهب الإخوة الإباضية إلى إدارة الجامعة، وتقدموا بشكوى ضد السنة!
التعليق : ما شاء الله أباضي يشتكي بالمسلمين لإدارة الجامعة .. أين المتنادين بوحدة المسلمين وقدوتهم الشيخ الخليلي. كان الأولى بالإخوة أن يتركوه يصلي ويبرد فؤاده ويتولى الله أمره .. فهم يجمعون الصلاة حتى لو بقوا 40 سنة في أستراليا وغيرها. ما كان هناك داعي لإعطاء هؤلاء المتعصبون أي فرصة فهم سبب الفرقة والخروج على المسلمين سابقا ولاحقا.
وقد طلب الإخوة من السنة أن أقف بجانبهم وأدعم موقفهم، نظرًا لأن أتباع الإباضية يهدفون إلى تحويل أهل السنة إلى الإباضية، وقد ادعى الإباضية أن ذلك كله كذب، وفي واقع الأمر فقد تحول اثنين من أهل السنة إلى الإباضية، وأنا ينتابني شك حول علاقتي بالإباضية، نظرًا لأن أحدهم يقيم معي في الوقت الحاضر.
التعليق : ما كان لك أخي أن تكون سلبيا هكذا. ومن حق الإخوة الأباضية عليك أن تنصرهم بردعهم عن ظلمهم وتشويه صورة الإسلام في أستراليا. وما قاله الإخوة لك ليس كذبا كما ظننت. بل هو الحقيقة. وإن كان تحول أحد الشباب للأباضية فلا تقلق فأضعافهم يتحولون لمنهج أهل السنة في عمان .. ولن يطول أمد زملاءك المتحولين اباضية حتى يرجعوا مرة أخرى
ثانيا؛ قال الشيخ ابن باز: “إن الإباضية كفار خوارج”، فهل أعتقد ذلك وآخذه مأخذ الجد؟
التعليق : الشيخ ابن باز لم يكفر الأباضية عموما بل نهى عن الصلاة خلف الخارجين على عثمان وعلي رضي الله عنهما من الأباضية فتنبه بارك الله فيك.
**********
يقول الأستاذ فتحي عبد الستار:أخي الحبيب رامي؛
لذا –أخي- ما كان ينبغي أبدًا تصعيد الأمور لإدارة الجامعة، وأغلب الظن أن القائمين عليها من غير المسلمين، فحينما يصل إليهم تنازع المسلمين فيما بينهم، فإن هذا يؤدي إلى اهتزاز صورة الإسلام والمسلمين في أعينهم، ويثير الشماتة في نفوسهم، ويجعلهم يميلون إلى تصديق ما يقال ويذاع وينشر في وسائل الإعلام المغرضة عن الإسلام والمسلمين،
التعليق : وهذا ديدن المتعصبين من الفرق. لو تولوا أمرا من أمور المسلمين لشوهوا الإسلام وسماحته ورحمته كما يفعلون باغتصاب مساجد السنة في عمان [كما حدث في ولاية السيب وولاية بدبد وولاية عبري وغيرها الكثير] وعدم إصدار تصاريح جديدة إلا بالواسطة وتحويل بعض المساجد إلى قاعات مناسبات [مسجد المنومة] وهدم بعض الجوامع [في السويق وصحم] وتحويلها لمواقف سيارات.
صاحب/ة الرد : سعود
4 نوفمبر 2009, 2:10 م
للأسف أصبحت المذاهب مطية السياسيين وهؤلاء في الغالب لادين لهم ويسعون لإشغال العامة في التفاصيل الإختلافية والإغراق في الخلافات التفصيلية التي هي في الحقيقة ليست من الدين في شئ فلن يحاسبني الله عن اعتقادي في ابي بكر أو عمر أو علي أو معاوية أو أي كان .. القضية لا تعدو كونها تسييس وخلق صراع أبدي لا ولن ينتهي .. الدين عند الله الإسلام .. ولايضيرني أني معجب بمقولة كونفوشيوس ( عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ) وتطبيقها فهذا تشريع رباني رغم أن من قاله يعرف بفتح الراء أو يعرف بتشديدها بـ ( وثني )
صاحب/ة الرد : ألا بذكر الله تطمئن القلوب
28 ديسمبر 2009, 10:27 م
قصة تحول إباضي إلى مذهب أهل السنة والجماعة
قصة رائعه جداً سوف تستمتعون بها جداً
تحدث به شخص عن ذاته
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة تحولي من مذهب الإباضية ، إلى مذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد :
فهذه قصة رجوعي من مذهب الإباضية ، إلى مذهب أهل الحق ، وطريقة أهل الاستقامة ،
وقد سبق لي أن ذكرت شيئا من هذا في السبلة الإباضية ، ولكن تعجل بعض من هناك بالتكذيب ، وكأنهم لا يعلمون أن كثيرا من الإباضية في عمان وخارجها قد تركوا مذهب آبائهم إلى مذهب أهل السنة والجماعة ،
وهذا أمر معلوم لكل من يعيش في عمان تقريبا ، بل لا أظن أحدا من أهل عمان إلا ويعرف واحدا أو أكثر ممن ترك المذهب الإباضي ورجع إلى مذهب الحق ،
ثم إن الله – عز وجل – أراد أن يكشف تسرع أولئك المكذبين ، فدخل السبلة بعض من يعرفني شخصيا ، وهو من الإباضية ، فصرح بأني كنت إباضيا ، ثم رجعت إلى مذهب أهل السنة والجماعة ، فالحمد لله أن جعل لي من يصدقني .
على أية حال ، فليس المراد من سياق هذه القصة أن يصدق الناس أني كنت إباضيا أولا ،
ولكن المراد أن يطلع المنصف على السبب الذي جعلني أترك مذهب الآباء والأجداد ، لعله إن سلك طريقي أن يصل إلى نفس القناعة التي وصلت إليها .
وأول ذلك أني كنت يوما من الأيام أصلي في مسجد حينا على الهيئة الإباضية ، فجاءني رجل من أهل المسجد وقال : ” يا أخي لم لا تكبر تكبيرة الإحرام ، فالصلاة لا تصح إلا بتكبيرة الإحرام ” ،
طبعا أنا كنت أكبر تكبيرة الإحرام ، لكني لم أكن أرفع يدي مع التكبير لأن هذا هو المذهب الإباضي ، مع أن أحاديث الرفع كثيرة وكثيرة جدا ، منها في الصحيحين وغيرها ، بل هي متواترة ،
على أية حال قلت له : ” بل أنا أكبر تكبيرة الإحرام ، ولكن سرا ” ،
فقال لي : ” إذن لا أراك ترفع يديك ! ” ،
قلت له : ” نحن الإباضية لا نرفع أيدينا في تكبيرة الإحرام ” ، وظننت أن هذا الجواب كاف له ليتركني وشأني ،
ولكنه قال : ” أنت إباضي ! ” ،
قلت : ” نعم ” ،
قال : ” لا يمكن أن أتركك على هذا المذهب ، هذا من المذاهب الضالة ” ،
فكبرت هذه الكلمة عليَ ، واستعظمتها جدا ، ولذلك ينبغي الرفق في الدعوة ، خاصة مع الذين لا يعلمون شيئا
فذكر لي كلاما يستدل به على ذلك ، لكني لا أذكر منه شيئا الآن ، لأني لم أكن أفهم ما يقول ،
على أية حال ، أحدث هذا عندي شكا ، فلما ذهبت إلى عمان جئت أحد أخوالي فقصصت له ما سبق ، فأعطاني كتاب الحق الدامغ ، ولكني أيضا لم أفهم منه شيئا ، لأنه كان فوق المستوى ،
ولكن رأى أحد طلبة العلم عندي الكتاب ، فأخذه وقرأه ، ثم أعطاني محاضرة حوله ، لكني أيضا لم أفهم شيئا ، لأن ذلك كله كان فوق المستوى ، وفي هذا فائدة مهمة للداعية ، وهي أن يحدث الناس على قدر عقولهم ، لأن المراد هداية الناس ، فلو كلم الناس بما لا يفهمونه لم يستفد الناس من فعله شيئا .
ثم إني في أحد سفراتي إلى عمان جلست مع خال لي فسألته عن الخلاف بين أهل السنة والإباضية ، حيث كنت أظن سابقا أن الخلاف إنما هو في الصلاة فقط ، الإباضية يسدلون أيديهم وأهل السنة يكفتونها ، يضعونها على صدورهم ،
فأعلمني أن الخلاف أوسع من ذلك ، وأن أهل السنة مشبهة ،
فقلت له : ” وما معنى مشبهة ؟ ” ،
قال : ” أي أنهم يشبهون الله بعباده ، فيقولون : الله له يد كيد البشر ” ،
فاستعظمت هذا ورأيت أن مذهب أهل السنة من أبطل ما يكون ، وطبعا فرحت بهذا من قرارة نفسي ،
لأني كنت أريد أن يكون الإباضية هم على الحق ، لأنه المذهب الذي ولدت عليه ، والذي رأيت كل أهلي عليه ، بل كنت إذا جاءنا ضيف فصلى على مذهب أهل السنة استنكرت فعله جدا ،
فذهبت إلى أهل السنة ، وعرضت على أحد طلبة العلم ما علمته من خالي ،
وقلت له : ” أنتم مشبهة ، لأنكم تقولون : إن لله يدا كأيدي الناس ” ،
فقال لي : ” أعوذ بالله ، بل نحن نقول : الله له يد تليق به ، كما أن للمخلوق يدا تليق به ” ،
ثم طرح علي هذا السؤال : ” هل الله يسمع ؟ ” ،
قلت : ” نعم ” ،
قال : ” يسمع كسمعنا ؟ ”
قلت له : ” لا ”
قال : ” كذلك الله له يد لا كأيدنا ” ،
وأعطاني الدليل على ذلك وهو قوله تعالى : ” بل يداه مبسوطتان ” ، وقوله تعالى لإبليس : ” ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ” .
فاطمأنت نفسي لذلك جدا ، ووقع كلامه في قلبي موقعا عظيما ، ورأيت أنه كلام سلس مفهوم واضح موافق للفطرة ،
فقنعت به ، وصرت من يومها أصلي على مذهب أهل السنة ،
ثم إني ذهبت إلى عمان مرة أخرى ، فقلت لخالي : ” أهل السنة ليسوا مشبهة ، بل يقولون : الله له صفات تليق به ، كما أن للمخلوق صفات تليق به ، وصفة الله لا تشبه صفة المخلوق ” ،
فلم يعرف ما يقول ، لأنه كان مبتدئا في العلم ،
ولكنه حول مجرى الكلام فقال : ” هل تعلم أن ابن تيمية يقول : إن الله يستوي على جناح بعوضة ؟ ” ،
فقلت : له : ” وما معنى يستوي ؟ ” ،
قال : ” يجلس ” ،
قلت : ” ومن ابن تيمية هذا ؟ ” ،
قال : ” عالم من علماء السنة ” ،
فانقدح في نفسي أن هذا الرجل يتبرأ منه أهل السنة ، لأنه لا يمكن لأحد أن يقبل مثل هذه المقولة ،
فرجعت إلى طلاب العلم من أهل السنة فسألتهم عن ذلك ،
فقال لي أحدهم : ” ليس بصحيح ، ابن تيمية لا يقول ذلك ، ومن زعم أن ابن تيمية يقوله فليأت بكلامه ” ،
وفهمني أن ابن تيمية إمام عظيم ، وأن العلماء اتفقوا على توثيقه [ طبعا إلا من شذ ] ،
ثم إني بعد أن قرأت كتب ابن تيمية عرفت أصل المسألة ، وهو أن ابن تيمية نقل عن عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي أنه – أي المريسي – أنكر أن يكون الله فوق العرش ،
فقال الدارمي : ” ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته ” [ انظر نقض تأسيس الجهمية (1/568) ] ،
وهذا أولا : ليس من كلام ابن تيمية ، بل نقله عن الدارمي ،
وثانيا : هذا من باب فرض ما لم يكن ، كقوله تعالى : ” لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ” ، وكقوله : ” ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ” ، وكقوله : ” قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ” ، ونحوها من الآيات ،
فكل هذا من باب التنزل وفرض المستحيل ، فهذا كما ترى ليس فيه غضاضة على الإطلاق ، والله قد استوى على العرش وهو مخلوق من مخلوقاته جل وعلا ، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
على أية حال هذه كان بداية سلسة كذبات سمعتها على هذا الإمام العظيم ، ليس من خالي ، إنما من غيره فيما بعد ، وكثير منها تولى كبرها بعض من يكتب في السبلة العمانية ،
وفي النية إن يسر الله أن أجمع بعض ذلك وأرد عليه ، ذبا عن عرض هذا الإمام العظيم ، فيعلم الله كم له من فضل علي خاصة ، وعلى المسلمين عامة ، اللهم اجزه عنا خير الجزاء ، اللهم اجمعنا به في دار كرامتك .
بعد ذلك ما زلت أتردد بين الفريقين ، فأسمع حجة هؤلاء ، وحجة هؤلاء ، ثم أقارن ،
وأذكر أن من الأمور التي استوقفتني مسألة نزول الرب – عز وجل – إلى السماء الدنيا ،
فإن خالي قال لي مرة : ” إن أهل السنة يثبتون أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ” ،
وكنت قد حضرت محاضرة لأحد أهل السنة تكلم فيها عن هذه المسألة ، ووضح أنهم يؤمنون بأن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ، وأن هذا هو نص كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ” .
فقلت لخالي : ” نعم أهل السنة يثبتون ذلك على ما جاء به الحديث ” ،
فقال لي : ” ولكن قال الشيخ أحمد الخليلي : إن ثلث الليل يدور حول العالم ، فحين ينتهي ثلث من منطقة يذهب إلى التي تليها من جهة الغرب ، وهكذا ، فثلث الليل لا يزال حول العالم يدور ، فهل معنى هذا أن الله يبقى نازلا إلى الأبد ؟ ”
فرأيت أن هذا الدليل قوي جدا ، ولم أستطع الانفكاك عنه ،
فغيرت مذهبي على الفور إلى مذهب الإباضية ،
وصرت أصلي مسبلا يدي ، وصرت على يقين أن هذا الدليل لا مدفع له ، وشعرت حينها أني قوي ، كالجندي الذي معه سلاح يجزم أن عدوه لا يمكنه أن يمتلك سلاحا يقاومه ، فصرت كلما لقيت أحدا شرحت له هذا الدليل الذي وصلني من قبل الخليلي ، من شدة فرحي بما سمعت .
حتى قابلت مرة أحد أهل السنة العوام فأخبرته بما قاله الخليلي ، فقال : ” أنا لا أعرف الجواب ، ولكن سآخذك إلى من هو أعلم مني ” ،
فقلت : ” نعم ” ،
وكنت على يقين أنه سيفاجأ بهذا الجواب ، وكنت أظن أن هذه الحجة من عند الخليلي لم يسبقه إليها أحد ، فلما ذهبنا عند الرجل ، وكان من طلبة العلم الحريصين ، شرح له صاحبي المسألة ، وسمع الرجل الدليل مني ،
إلا أنه فاجأني بأن قال : ” هذه شبهة قديمة معروفة ، وقد أجاب عليها الشيخ ابن عثيمين في فتاواه ، وسأهديك منها نسخة ” ،
وواعدني أن آتيه بالغد ،
وفي اليوم التالي حضر إلى المسجد فعلا ، وأعطاني نسخة من فتاوى الشيخ ابن عثيمين ، وكتبا أخرى ،
ويعلم الله ، كم كانت فرحتي بتلك الهدية ،
وهذه لفتة مهمة إلى الدعاة ، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” تهادوا تحابوا ” ،
فكم أثرت هديته في نفسي ، ولما شعرت أنها تخصني زاد اهتمامي بالكتاب ، وكنت أول مرة أسمع فيها بالشيخ ابن عثيمين ، فأراني الرجل مكان الفتوى المطلوبة ،
ثم قال لي : ” اقرأ الكتاب فسيفيدك جدا ” ،
وفعلا قرأت الكتاب من أوله إلى آخره ، واستفدت منه أمورا عظيمة ،
منها : تعريف أهل السنة والجماعة ،
ومنها : تقسيم التوحيد ومعاني كل قسم ،
ومنها : طريقة أهل السنة في الإثبات ، والأدلة على ذلك ، وأنهم غير مشبهة ، بل ينكرون على المشبهة ،
ومنها : تحريم التصوير ، وأنه وسيلة إلى الشرك ،
ومنها : تحريم البناء على القبور ، والغلو فيها ،
إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة ،
ومما كان يزيدني اهتماما بالكتاب تمكن صاحبه ، وسهولة عبارته ، وقوة أدلته ، ولم أكن أتصور حينها أن يقدر الله لي التتلمذ علي يدي هذا الرجل العظيم ، وأني سأكون ممن يجلس في حلقاته ، ويسمع منه مباشرة ،
ولكن لله على عباده ألطاف كثيرة ،
ويعلم الله أني من يومها لم أحب عالما من العلماء الذين التقيت بهم كما أحببت ذلك الشيخ العظيم ، الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله رحمة واسعة – .
وهنا لفتة مهمة أيضا إلى الدعاة : وهي أن نشر كتب أمثال هؤلاء العلماء فيه من الخير الشيء الكثير ، وخاصة كتب الفتاوى ، لأنها تتناول أسئلة الناس التي تدور بينهم ، والتي يكثر السؤال عنها ، ولأنها تراعي مستوى العوام ، أو المبتدئين ، وفيها تعليق الناس بأهل العلم الكبار ، فيعلم الله كم لذلك الرجل الذي أعطاني كتاب الشيخ ابن عثيمين من فضل علي بما أهداني .
والمقصود ، أني قرأت فتوى الشيخ حول الشبهة المذكورة ، وإليكم نص السؤال ، وجوابه :
جاء في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (1/102) سؤال رقم (102) ما نصه :
” سئل الشيخ – أعلى الله درجته في الهديين – : من المعلوم أن الليل يدور على الكرة الأرضية ، والله – عز وجل – يزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، فمقتضى ضلك أن يكون كل الليل في السماء الدنيا ، فما الجواب عن ذلك ؟
فأجاب بقوله : الواجب علينا أن نؤمن بما وصف الله وسمى به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – من غير تحرف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ،
فالتحريف في النصوص ،
والتعطيل في المعتقد ،
والتكييف في الصفة ،
والتمثيل أيضا في الصفة ، إلا أنه أخص من التكييف ؛ لأنه تكييف مقيد بمماثلة ،
فيجب أن تبرأ عقيدتنا من هذه المحاذير الأربعة ،
ويجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ ( لم ) ؟ وكيف ؟ فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته ، وكذا يمنع نفسه عن التفكير في الكيفية ،
وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرا ، وهذه حال السلف – رحمهم الله – ، ولهذا جاء رجل إلى مالك بن أنس – رحمه الله – قال : يا أبا عبد الله ” الرحمن على العرش استوى ” ، كيف استوى ؟ ، فأطرق برأسه وعلته الرحضاء ، وقال : ” الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعا ” ،
وهذا الذي يقول : إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كل ليلة ، فيلزم من هذا أن يكون كل الليل في السماء الدينا ؛ لأن الليل يدور على جميع الأرض ، فالثلث ينتقل من هذا المكان إلى هذا المكان الآخر ؟ .
جوابنا عليه أن نقول : هذا سؤال لم يسأله الصحابة – رضوان الله عليهم – ، ولو كان هذا يرد على قلب المؤمن المستسلم لبينه الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – ،
ونقول : ما دام ثلث الليل الأخير في هذه الجهة باقيا فالنزول فيها محقق ، ومتى انتهى الليل انتفى النزول ، ونحن لا ندرك كيفية نزول الله ، ولا نحيط به علما ، ونعلم أنه سبحانه ليس كمثله شيء ، وعلينا أن نستسلم ، وأن نقول : سمعنا ، وآمنا ، واتبعنا ، وأطعنا ، هذه وظيفتنا ” اهـ .
وهذا الجواب كاف شاف كما ترى ، فالله – عز وجل – أخبرنا على لسان نبيه ، أنه ينزل في الثلث الأخير من الليل ، فنحن نؤمن بهذا ،
فأينما كان الثلث الأخير فهنالك النزول ،
ثم إنه من المتفق عليه بيننا وبين الإباضية أنه لا ينبغي للإنسان أن يخوض في صفات الله – عز وجل – بالتفكير ، والتكييف ،
بل ينبغي عليه أن يكف عن هذا ، فما بال علماء الإباضية يعرضون مثل هذه الشبه ، مع أننا جميعا متفقون أنه ينبغي عدم الخوض فيها ؟!!
على أية حال عرفت حينها أن أهل السنة يقولون إزاء النصوص : سمعنا وأطعنا ،
فإذا لم تتقبل عقولهم شيء اتهموها ، وآمنوا بالنص ، ولم يردوا النص لأجل شيء يقوم في عقولهم ،
وأن هذه الطريقة أسلم ، وأحكم ، وأعلم ، وهي طريقة الصحابة ، ومن بعدهم من علماء الأمة ، ومن سلكها نجا ، ومن تنكبها هلك ،
فلو عرضنا نصوص الكتاب والسنة على عقولنا لرددنا الكثير مما لا يقبله عقل كثير من الناس ، والواجب عدم معارضة النصوص إذا ثبتت .
ومن يومها استفدت درسا عظيما ، وهو التسليم لكتاب الله ، وسنة رسوله – عليه الصلاة والسلام – ، وعدم الاعتراض عليهما ، فصار عندي قناعة تامة بمذهب أهل السنة في صفات الله – عز و جل – ، وذلك بفضل قراءتي لفتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – .
ورجعت بعدها أصلي صلاة أهل السنة ، أكفت يدي ، كما يكفتون .
بعدها تزايد حضوري لحلقات طلاب العلم من أهل السنة والجماعة عندنا في الإمارات ، وصرت أواظب على الدروس في أيام معينة من الأسبوع ، فدرست كتاب الأصول الثلاثة ، وبعض كتاب التوحيد ، كلاهما للشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ،
وحضرت بعض حلقات العقيدة ، وأظن أنها كانت حول كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فعرفت الكثير من مبادئ أهل السنة والجماعة في الصفات ،
ومن القواعد المفيدة التي درستها : ( أن القول في الصفات كالقول في الذات ) ، فالصفات تابعة للذات ، فمن أثبت لله ذاتا لا تشبه الذوات فليثبت له صفات لا تشبه الصفات ،
فلله – عز وجل – يد لا كيدنا ، وله وجه لا كوجهنا ، وله سمع لا كسمعنا ، وله بصر لا كبصرنا ، وله علم لا كعلمنا ، وله عزة لا كعزتنا ، كما أن له ذاتا ليست كذواتنا ، كل ذلك سواء .
ومن القواعد المفيدة التي درستها : ( أن كل معطل مشبه ) ، فكل من عطل صفة من صفات الله إنما عطلها لأنه فهم منها التشبيه ، ولو أنه ما فهم التشبيه من تلك الصفة لأثبتها ،
فهو حين يقرأ قوله تعالى : ” ما منعك أن تسجد لما خلقت يدي ” ، يفهم أن هاتين اليدين كيدي المخلوق ، فلأجل هذا يضطر إلى أن يؤول ، ويقول : ليست اليد هنا على معناها الحقيقي ، بل هي بمعنى المباشرة ، أو بمعنى القوة ، أو غير ذلك من المعاني ، والذي جعله يتؤل الآية أنه فهم منها التشبيه ، وليس كذلك ، فليس الأمر على ما ذكر ، بل القرآن ليس ظاهره تشبها ، حاشا وكلا ،
قال نعيم بن حماد الخزاعى شيخ البخارى : ” من شبه الله بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها ” .
على أية حال : كانت هذه المرحلة مرحلة تعلم لمبادئ أهل السنة والجماعة عموما ، ولعقيدتهم في الصفات خصوصا .
فكنت إذا ذهبت إلى عمان عند أخوالي أناقشهم في بعض ما تعلمته يعجزون عن مجاراتي ، لأنهم لم يكونوا بدرجة عالية من الدراية بمذهبهم ، وهذا زادني تثبيتا على ما أنا عليه .
ثم إنني ذهبت مرة لزيارة أحد طلاب العلم من أهل السنة والجماعة ، فذكرت له قصتي ، وبعض ما كان يجري بيني وبين أخوالي وغيرهم من أهلي ،
وقلت له : ” أريد أن أذهب إلى الشيخ أحمد الخليلي ” ، لعلي أجد عنده شيئا زائدا ،
فنصحني ألا أذهب إليه ، ولكني لم أقنع بكلامه ، لأني كنت أرى أنه من تمام الإنصاف أن أسمع حججهم كاملة ،
ثم في نهاية المجلس أعارني كتابا نفيسا بعنوان : ” إثبات علو الرحمن ، من قول فرعون لهامان ” ، لأسامة القصاص ، وهو كتاب نفيس في بابه ، فزدت قناعة بما توصلت إليه من الحق ، والحمد لله .
ثم إنه لم يتيسر لي أن أذهب إلى الشيخ أحمد الخليلي – مفتي عمان – ، ولكني كنت أقرأ بعض كتب الإباضية كلما ذهبت إلى عمان ، وأذكر أني كنت إذا أمسكت بكتاب من كتبهم أقول قبل أن أفتحه : ” اللهم إن كان الحق في هذا الكتاب فأرني إياه ” ، ولكني لم أكن أرى إلا ما يزيد ثقتي بصدق مذهب أهل السنة والجماعة .
كل ذلك كان وأنا في مرحلة الثانوية العامة ، وما بعدها بقليل ، وبعد مرحلة الثانوية العامة صرت على مفترق الطرق ، إما أن أذهب إلى إحدى شركات الطيران لأدرس وأتخرج طيارا ، وإما أن أذهب إلى الجامعة الإسلامية ، ولله الحمد قبلت في الجامعة الإسلامية قبل استدعائي إلى معهد الطيران للدراسة ، فلما بدأت بالجامعة ودخل حبها قلبي استدعيت للطيران ، ولكن هيهات وقد تعلق القلب بالمدينة النبوية ، ومسجدها ، وجامعتها ، فلم أبغ بذلك بدلا ، ولله الحمد .
مع أن قلبي كان أميل إلى الذهاب للطيران قبل ذلك ، بل كنت أعد ذهابي للجامعة الإسلامية لما ذهبت استغلال وقت فراغ قبل أن أحزم حقائبي وأتوجه إلى الطيران ، ولكن أعان الله بكرمه ، ولطف رحمته بأن نشبت بالجامعة ، فلم أبغ بها بدلا ، ولله الحمد والمنة .
وفي الجامعة الإسلامية حصل لي تحول كبير في حياتي ،
فهنالك عاشرت علماء أهل السنة ، وتعلمت منهم ، ونهلت من آدابهم ، وكان أخي في الإمارات إذا أشكل عليه شيء كلمني في الهاتف،
وسألت له العلماء عن إشكاله فكشفوه لي ،
وأذكر أن من أول الإشكالات التي عرضت علي هناك مسألة الحد وإثباتها لله – عز وجل – ، فسألت عنها العلماء ، فكان أول من سألت من أهل العلم الشيخ : ( محمد أمان الجامي – رحمه الله – ) وكان متخصصا في العقيدة ،
وكنا قد انتهينا لتونا من صلاة الفجر في المسجد النبوي الشريف ، وكانت للشيخ حلقة في العقيدة بعد صلاة الفجر ، فسألته قبل أن يجلس على كرسيه ،
قلت : ” يا شيخ هل أهل السنة يثبتون الحد لله – عز وجل – ؟ ” ،
فقال : ” وما الذي تعنيه بالحد ؟ ” ،
فارتبكت ، فلما رأى مني الارتباك قال لي : ” يا ولدي ! اذهب وادرس العقيدة ” ،
وأمرني أن أركز على الأصول وأن لا أهتم بالمسائل العارضة الآن ،
فانصرفت من عنده مهموما ؛ لأني كنت أريد الجواب حالا ، ولكني عرفت أن تلك الكلمة من الشيخ أراد بها أن يربيني ، وخاصة لما رأى عدم فقهي للسؤال الذي سألت عنه ، فما فائدة جواب لإنسان لا يدري معنى السؤال الذي يسأله ؟ ،
ولكني لم أدرك ذلك في حينه ، فما زلت أفتش حتى علمت قاعدة أهل السنة في مثل هذا ، وهو ما ذكره ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية (ص218، ط . المكتب الإسلامي ، تخريج الألباني )
قال – عند شرحه لقول الطحاوي : ” وتعالى عن الحدود والغايات ” –
: ” أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال :
فطائفة تنفيها ، وطائفة تثبتها ،
وطائفة تفصل ، وهم المتبعون للسلف ، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين ما أثبت بها فهو ثابت ، وما نفي بها فهو منفي ؛
لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إحمال وإبهام ، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية ، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ،
ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا ، ويذكرون عن مثبتيها مالا يقولون به ،
وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ، ولما دل عليه الكتاب والميزان ،
ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها ، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ، ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا ، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون ،
فالواجب أن يُنظر في هذا الباب – أعني باب الصفات – فما أثبته الله ورسوله أثبتناه ، وما نفاه الله ورسوله نفيناه ، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي ، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني ،
وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى يُنظر في مقصود قائلها ، فإن كان معنى صحيحا قبل ،
لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص ، دون الألفاظ المجملة ، إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد ، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها ، ونحو ذلك ” اهـ كلامه رحمه الله .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – [ مجموع الفتاوى (3/308) ] :
” والسلف والأئمة الذين ذموا وبدعوا الكلام في الجوهر ، والجسم ، والعرض تضمن كلامهم ذم من يُدخل المعاني التي يقصدها هؤلاء بهذه الألفاظ في أصول الدين ، في دلائله وفي مسائله نفيا وإثباتا ،
فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة ، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ؛ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه ؛ فهذا عظيم المنفعة ، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه ” اهـ كلامه – رحمه الله – .
فلفظة الحد كما ترى ليست من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة ، فيُستفصل فيها ،
فإن كان مراد قائلها حقا فإن الحق يقبل ، ولكن الأولى التعبير به تعبيرا شرعيا ، وإن كان مراد قائلها أمرا باطلا فإنها ترد ،
فإن أراد بالحد أن الله مستو على عرشه ، بائن من خلقه ، منفصل عنهم ، كان كلامه حقا ، وإن أراد بالحد أن الله محدود ، وأنه محشور في مكان يحده ، فهذا باطل ولا شك ،
تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ،
وما أحسن ما نقله الذهبي في السير في ترجمة أبي القاسم التيمي [ السير (20/85) ] قال :
” سئل أبو القاسم التيمي – رحمه الله – هل يجوز أن يقال لله حد أو لا ؟ ، وهل جرى هذا الخلاف في السلف ؟
فأجاب : هذه مسألة أستعفي من الجواب عنها لغموضها وقلة وقوفي على غرض السائل منها ، لكني أشير إلى بعض ما بلغني ،
تكلَّم أهل الحقائق في تفسير الحد بعبارات مختلفة محصولها :
أن حد كل شيء موضع بينونته عن غيره ،
فإن كان غرض القائل ليس لله حد : ( لا يحيط علم الحقائق به ) ، فهو مصيب ،
وإن كان غرضه بذلك : ( لا يحيط علمه تعالى بنفسه ) ، فهو ضال ،
أو كان غرضه أن الله بذاته في كل مكان فهو أيضا ضال .
قلت [ والقائل هو الذهبي ] : الصواب الكف عن إطلاق ذلك ؛
إذ لم يأت فيه نص ، ولو فرضنا أن المعنى صحيح ، فليس لنا أن نتفوه بشيء لم يأذن به الله خوفا من أن يدخل القلب شيء من البدعة ، اللهم احفظ علينا إيماننا ” اهـ .
وهذا كما ترى أمر واضح جلي ، وحقا : ” إنما شفاء العي السؤال ” .
وهكذا استمرت الفوائد تنهال علي من علماء أهل السنة في المدينة ، ومن طلابها ،
وأذكر ذات مرة أني قابلت رجلا من أهل عمان إباضيا يصلي في المسجد النبوي الشريف ،
فتعرفت عليه ، وتعرف علي ، فلما عرف أني سني جرى بيني وبينه حوار حول استواء الله على العرش ،
فقلت له : ” يا أخي الكريم الاستواء بمعنى الارتفاع والعلو ، كما قال تعالى : ” وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه … ” ، وقوله تعالى عن سفينة نوح : ” واستوت على الجودي ” ،
فالاستواء العلو والاستقرار ، والله يقول في سبع مواضع من القرآن إنه استوى على العرش منها
قوله تعالى : ” الرحمن على العرش استوى ” ، وقوله : ” … ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا ” ،
ويثبت أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ” يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ” ،
وأذكر أني استوقفته عند هذه الآية ، فقلت له تأمل سياق الآيات في سورة السجدة ، وشدة وضوحها على استواء الله – عز وجل – ،
ففتحت معه المصحف – لأني لم أكن أحفظها – وقرأتها عليه ،
يقول تعالى : ” الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون ، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ” .
فقلت له : تأمل هذه الآيات كيف هي صريحة في إثبات علو الله ، واستوائه على عرشه ،
ففي أولها أثبت لنفسه الاستواء على العرش ، ثم أخبر أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ، ثم أخبر أن الأمر يرفع إليه ، فإن كانت هذه الآية يجوز أن يسلط عليها التأويل فليست هناك آية لا يمكن أن تأول ،
وعلى هذا يعود القرآن كله مؤولا ، وعليه فلا يستفاد الهدى منه ، بل يتوقف استفادة الهدى من القرآن على أقوال الناس من المشايخ المتبوعين ،
ثم الله قد وصف قرآنه بأنه مبين ، كما قال تعالى : ” والكتاب المبين ” ، وقال : ” ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ” ، فالقرآن ميسر ،
والذي يقول : إن هذه الآيات على خلاف ظاهرها – مع أنها نص في علو الله ، واستوائه – فهذا يزعم أن القرآن غير مبين .
واستطرادا هنا أقول : إن الشيخ أحمد الخليلي اشتد نكيره على عبد الرحيم الطحان لما قال : ” لا قرآن بلا سنة ” ، مع أنه يقصد أن من أخذ القرآن وترك السنة فإنه يضل ، وسياق كلامه كله في هذا المعنى ،
فأنكر الشيخ أحمد عليه ، وساق في إنكاره عليه الآيتين التين ذكرت وأمثالها من الآيات التي تدل على أن القرآن فيه الهدى ، وقوله حق لا مرية فيه ،
ولكن العجب أنه أيد قول الباحثة التي قدم لرسالتها الموسومة بـ ” رؤية الله بين المثبتين والنافين ” حيث تقول المؤلفة في (ص26) :
” وقد يقول قائل : إنه إذا كان الله تعالى غير مستقر على العرش ، وغير جسمه [ هكذا ] فما معنى الآيات ، والأحاديث التي جاءت في القرآن الكريم ، وعلى لسان سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – والتي ظاهرها يوهم ذلك ؟
ولعل أبلغ رد على هذا السؤال أن نقول : إن المقصود من ذكر هذه الآيات والأحاديث هو الامتحان ، والاختبار ،
هل يفهمها الناس على حقيقتها فيقعون في تشبيه الله بالحوادث فيضلون بذلك ، أو يفهمونها بما يتفق مع النصوص الصريحة الدالة على أن الله منزه عن صفات الحوادث ، وأنه ليس كمثله شيء ، ومع دلالة العقل السليم على أن الله وهو القديم الباقي لو اتصف بالحادث يكون حادثا ، لأن الحادث له أول ، والقديم لا أول له … ” الخ كلامها .
وهذا يدل على أن الإباضية يرون أن أكثر آيات القرآن يدل ظاهرها على الضلال ، لأنك لا تكاد تمر على آية من آيات القرآن إلا وفيها صفة من صفات الله ، بل القرآن كله كلام الله ،
فإذا كان أكثر أو كثير من آيات القرآن يدل ظاهرها على الضلال فهل يجوز أن يوصف مع هذا بأنه مبين ؟
ثم إن كنا نحتاج إلى تأويل تلكم الآيات الكثيرة فمن يؤلها لنا ؟
لا شك أنهم المشايخ – أعني مشائخ الإباضية – وعلى هذا فلا يؤخذ الهدى من القرآن ، إنما يؤخذ من المشائخ ،
فلم ينكر الخليلي إذا على من قال : ” لا قرآن بلا سنة ” ، وهو أحسن حالا ممن يدل كلامه على أنه ( لا قرآن بلا قول المشائخ ) ؟ .
كل هذا استطراد ، ولنرجع إلى صاحبنا ،
فإني لما سقت له الآيات التي تدل على العلو ، لم يجد لها مدفعا ، قال لي ” أنا لا أسلم بهذا الكلام ، ولا أقول : إن الله فوق السماء ” ،
قلت له : فأين الله ؟ ،
قال : ” في كل مكان ” ،
وهو يظن أن هذه عقيدة الإباضية ، وليست كذلك ، بل عقيدتهم أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه ، ولكنه اعتقدها لأنه يظن أنها عقيدة الآباء ، وليس معه في ذلك دليل ، وهذا من العجب !!،
أن يتعصب الإنسان لشيء لا دليل عليه ، وهذا حال أكثر الإباضية ، بل أكثر البشر إنما يتعصبون لما ألفوه ، ولما أخذوه من آبائهم ، وإن لم يكن معهم دليل ،
وأذكر مرة أن أحد أخوال كان يظن أن أهل السنة يقولون : ” إن الله في كل مكان ” ، وأن الإباضية يقولون : ” إن الله فوق السماء ” ،
فأنكر علي اعتقادي أن الله في كل مكان ،
فقلت له : ” أهل السنة لا يعتقدون أن الله في كل مكان ، بل يعتقدون أن الله فوق السماء ” ،
فقال : ” لا ، أنتم تعتقدون أن الله في كل مكان ” ،
قلت له : ” نحن نرد هذه العقيدة ” ،
فلما تأكد أننا نعتقد أن الله فوق السماء ، وأن الإباضية لا يعتقدون ذلك غير عقيدته على الفور ،
وقال لي : ” نعم الله في كل مكان ، وهذا هو الحق ” ، قلت له : ” قبل قليل كنت تقول خلاف هذا ” ، قال : ” كنت أظنها عقيدة الإباضية ” .
وهذا حال أكثر الناس ، مجرد أن يعرف أن عقيدتهم كذا يسارع إلى الدفاع عنها من غير بينة ، والله المستعان .
نعود إلى صاحبنا الإباضي ،
قال لي : ” إن الله في كل مكان ” ،
فقلت له : ” هل تعتقد أن الله في الحمام ؟!! ” – تعالى الله عما يقول الله الظالمون علوا كبيرا – .
فسكت هنيهة ثم قال – كالمعترض على كلامي – : ” إن لم يكن الله في الحمام فإني سأذهب إلى الحمام وأشرب الخمر ” .
فقلت له : ” هداك الله ، إن الله فوق سماواته ، مستو على عرشه ، ومع ذلك قريب من خلقه ، يعلم كل ما يكون على الأرض ، ولأجل هذا يقرن الله – عز وجل – دائما علوه بالعلم ،
قال تعالى : ” الرحمن على العرش استوى ، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ” ،
وقال تعالى : ” هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ” ،
ومثلها قوله تعالى : ” هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ” ، فقرن بين اسمه الظاهر وبين اسمه الباطن ، وقد فسر النبي – صلى الله عليه وسلم – معنى الظاهر بقوله : ” أنت الظاهر فليس فوقك شيء ” ، وفسر معنى الباطن بقوله : ” أنت الباطن فليس دونك شيء ” ، أي فليس أقرب منك شيء ، فالله قريب في علوه ، بمعنى أنه يعلم كل شيء مع علوه ” .
فلما سمع هذا مني لم يحر الرجل جوابا ، [ طبعا أنا أسوق ما جرى بيني وبين الرجل بالمعنى ، وإلا فهذه القصة قد مر عليها ما يقارب العشر سنين ] .
فقال لي : ” أنا لا أعرف الرد عليك ، ولكن معنا شيخ في الحملة لو تأتي وتكلمه ” ،
فقلت له : ” إنني مشغول والله ، وكانت الأيام أيام امتحانات ” ،
ومع إصراره خفت أن يظن أنني أتهرب فذهبت معه إلى مقر سكنه ، وهناك التقيت بالشيخ المذكور ، فبدأ الحديث وتكلم بكلام لا أذكره الآن ، وأظنه كان يعظ القوم ، ولكنه أثناء كلامه أنكر سنة المسح على الخفين إلا في السفر ،
فقلت له : قد ثبتت السنة في البخاري ، ومسلم ، وغيرهما ، وأحاديث المسح متواترة ،
فجاوز الكلام عن هذه المسألة وأقحمنا في مسألة الصفات ،
فقلت له : ” الرحمن على العرش استوى ” ،
فقال : ” استوى بمعنى استولى ” ،
فقلت له : ” هذا خلاف الظاهر ، ولا يجوز تفسير الاستواء هنا بالاستيلاء ، لأن الله قال : ” ثم استوى على العرش ” ، والعطف بـ ” ثم ” يقتضي التعقيب مع التراخي ، فيكون معنى هذا أن الله لم يكن مستوليا على العرش ، ثم استولى عليه ” ،
فقال لي : ” إذا قلت إنه مستو على العرش لزم منه التحيز والجهة ” ،
وكنت يومها ما زلت مبتدأ ، وليست لي القوة العلمية الكافية ، ولا الدراية بأساليب المناظرة ، ولكني ولله الحمد جاوبته بما لدي من أصول سنية سلفية ،
فقلت له : ” أنا لا أدري ما تقول ، أنا أقول بما قال الله – عز وجل – ، ولا أتدخل بعقلي في شيء من ذلك ” ،
وهذه قاعدة نافعة جدا ، ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في كتابه كشف الشبهات ،
حيث يقول : ” جواب أهل الباطل من طريقين : مجمل ومفصل ،
أما المجمل : فهو الأمر العظيم ، والفائدة الكبيرة لمن عقلها ، وذلك قوله تعالى : ” هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ” ،
وقد صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : ” إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ، فاحذروهم ” ،
مثال ذلك : إذا قال لك بعض المشركين : ” ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ” ، وأن الشفاعة حق ، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله ، أو ذكر كلاما للنبي – صلى الله عليه وسلم – يستدل به على شيء من باطله ، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره ،
فجاوبه بقولك : إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه ، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية ، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء ، مع قولهم : ” هؤلاء شفعاؤنا عند الله ” ،
هذا أمر محكم بيّن لا يقدر أحد أن يغير معناه ، وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – لا أعرف معناه ،
ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض ، وأن كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – لا يخالف كلام الله .
وهذا كلام جيد سديد ، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله ، فلا تستهن به ، فإنه كما قال تعالى : ” وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ” . ” اهـ كلامه رحمه الله .
فهداني الله ساعتها إلى الجواب المجمل ، مع أني ما كنت ساعتها مطلعا على كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – ،
فلما أتاني بكلام مجمل لا أعرف معناه ، رجعت إلى المحكم الذي معي ، وهو أن الله تعالى لا يشبهه شيء ، وأنه تعالى لا يلحقه النقص من وجه من الوجوه ، وأنه أعلم بنفسه من غيره ، وأنه يجب علينا أن نسلم للآيات والأحاديث الصحيحة ، فالله قد أثبت لنفسه العلو ، والاستواء في آيات كثيرة جدا ، ونفى عن نفسه مشابهة خلقه ، فمن فهم من بعض الآيات ما يوهم التشبيه ، أو النقص فالخطأ منه لا من الآيات ،
فأنا أثبت ما أثبتته الآيات ، وأتوقف فيما لا أعلم ،
فلما قال لي ذلك الشيخ : ” إثبات العلو يلزم منه إثبات التحيز ، والجهة ” ،
قلت له : أنا لا أعلم ما تقول ، ولكني أقول كما قال الله تعالى : ” الرحمن على العرش استوى ” ، ونحو ذلك من الآيات التي تدل على الاستواء والعلو .
فلما رآني قد جاوبته بهذا الجواب استغل الموقف ، وجعل يستطرد في الكلام في صفات الله – عز وجل – بكلام لا أذكره الآن ، وظهر أمام الناس أنه المنتصر ، وأني قد انقطعت حجتي ، مع أني أعلم أنه يعارض القرآن الكريم برأيه ، لأنه فهم من آيات العلو التشبيه ، فأولها ، ولو لم يفهم التشبيه ما أولها .
ثم دخل في مسائل كثيرة لا أذكرها ، حتى تكلم في مسألة الصفات هل هي عين الذات أم غيرها ، فقال : ” الحق أنها عين الذات ” ، قال لي : ” وما تقول فيها ؟ ” ،
قلت : ” الله أعلم ” ،
قال : ” الحق أن الصفات عين الذات ” ،
ثم تكلم بكلام لم أفهمه ساعتها ، ولكني دريت فيما بعد أنه كان يقرر نفي الصفات بناء على تلك القاعدة ، وأقطع أن العوام الذين كانوا في المجلس لم يكونوا يفهمون أكثر كلامه ، لأنه ما كان يتكلم بالآيات والأحاديث ، إنما كان يتكلم بكلام أكثره فلسفي ، ويظهر بذلك أنه منتصر ، وأنه العالم المحرر .
ثم خرجت من عنده وأنا مهزوم أمام الحاضرين – ولم يكونوا كثرا – ، ولكنهم فرحوا بشيخهم ، ورأوني مهزوما ،
ولذلك نهى العلماء عن مثل هذه المناظرات ، ووضعوا لها شروطا خاصة ، منها : أن يكون عالما بمذهبه ، عالما بمذهب الخصم ، واضح البيان ، وأن تكون المناظرة عند إمام يلزم الطرفين بالقول الحق ، ويشهره ، وأن يكون هذا الإمام الحاكم عالما باللغة ، مريدا للحق .
إلى غير ذلك من الشروط في المناظرة ، التي تطلب من مظانها .
فمن أخل بمثل هذه الشروط فإنه قد ينتج من فعله شر أكثر من الذي يريد من الخير .
والله أعلم ،
ثم لما انفض ذلك المجلس أصاب قلبي ما لا يعلمه إلا الله من الحزن والغم ،
لأني شعرت أن القوم غير صادقين في طلب الحق ،
الله أعلم أكان ذلك حقا أم لا ، لكن شعوري بذلك سبب لي انقباضا وحزنا في صدري .
ثم بحثت في بعض المسائل التي جرى النقاش فيها ،
ومنها مسألة : هل الصفات عين الذات أم غيرها ؟
فعلمت أن هذه المسألة أراد بها الإباضية أن ينفوا الصفات عن الله – عز وجل – ،
فقالوا : الصفات الواردة في الكتاب والسنة لا يراد بها أن ذات الله متصفة بها ،
ولكن المراد أنها عين الذات ، أي نفسها ،
فمعنى قولهم : الصفات عين الذات ، أي الصفات هي الذات ،
وعليه فقدرة الله – عز وجل – هي الله ، وسمع الله هو الله ، وعلمه هو نفسه ،
كل ذلك لا فرق بينه ،
ومرادهم بهذا نفي جميع الصفات عن الله – عز وجل – ،
قال أبو مسلم البهلاني في كتابه نثار الجوهر (1/62)
[ ناقلا عن الخليلي أبي محمد سعيد بن خلفان ، ومقرا له ] :
” والأصل الذي ذهب إليه أصحابنا في هذا أن صفاته تعالى هي عين ذاته الأزلية ،
ولا ينكشف هذا إلا بتجريد الذات المقدسة عن الصفات بالكلية ” اهـ المراد منه .
وهذا النص موجود في كتاب تمهيد قواعد الإيمان للخليلي نفسه في (1/195)
لكن سقط منه قوله : ” هي عين ذاته الأزلية ،
ولا ينكشف هذا إلا بتجريد الذات المقدسة عن الصفات بالكلية ” .
وفي تمهيد قواعد الإيمان (1/196) ما نصه :
” والحق الذي لا مرية فيه ما قاله أصحابنا من تجريد الصفات عن الذات المقدسة مع اتصافها بها ،
فقالوا : إنه يعلم بذاته ، ويقدر بنفسه ، وكذا في يسمع ، ويبصر ، ويقدر ،
ويشاء ، ويريد ، وغير هذا ،
فهو عالم بذاته ، وقدير بها ، وهكذا ،
وهو معنى قولهم في صفاته : إنها عين ذاته ،
فليس مرادهم به إلا سلب الصفات عن ذاته الكريمة مع اتصافها بها ،
بمعنى : أنه ليس ثم من صفة زائدة على ذاته المقدسة أبدا ” اهـ كلامه ،
وقد نقله بنصه مقرا له أبو مسلم البهلاني في نثار الجوهر (1/63) .
وهذا الكلام – كما يرى القارئ الكريم – خطير جدا ، إذا معناه :
أن الله – عز وجل – ليست له صفة أزلية مطلقا ،
لا صفة القدرة ، ولا السمع ، ولا البصر ، ولا العلم … الخ ،
إنما صفاته – جل وعلا – كلها وهمية اعتبارية ،
وقد نص على هذا الخليلي نفسه [ وهو طبعا غير المفتي ]
في كتابه آنف الذكر في (1/197) حيث يقول :
” لكن قولك : عليم بذاته فيه مزيد إيضاح ، وكشف للحقيقة ،
ودفع للأغاليط الوهمية من العقيدة الأشعرية في قولهم :
إنه تعالى يعلم بعلم ، ويقدر بقدرة ، وإثباتهم له صفات قديمة قائمة بذاته العظيمة ،
وبطلان هذا واضح بما سبق ” . اهـ .
وأقول : بل كلامك هو الذي يتضح بطلانه بمجرد قراءته ،
فسبحان الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ،
لا كما يقوله المبطلون الذين يزعمون أنه ليست له صفات إطلاقا .
وأنقل هنا كلاما نفيسا لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى –
في بيان عقيدة السلفيين أهل السنة والجماعة في هذه المسألة
حيث يقول – رحمه الله – [ الفتاوى (6/96) ] :
” فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره ، ولا أنها ليست غيره ،
على ما عليه أئمة السلف كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ” .
وقال – رحمه الله – في الجواب الصحيح (5/16) :
” وقد تنازع المثبتة : هل يقال : الصفات عين الذات ؟ ، أم يقال : ليست عين الذات ؟ ،
أم يقال : لا يقال هن غير الذات ولا يقال ليست غير الذات؟ ،
وتنازعوا في مسمى الغيرين : هل هما ما جاز مفارقة أحدهما الآخر مطلقا ؟ ،
أو ما جاز مفارقته بوجود أو زمان أو مكان ؟ ،
أو هما ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر ؟ ،
وغاية ذلك منازعات لفظية ، وكثير منهم فرق في الصفات اللازمة بين بعضها وبعض ،
فجعل بعضها زائدا على الذات ، وبعضها ليس بزائد على الذات ،
وكان الفرق بحسب ما يتصوره لا بحسب ما الأمر عليه في نفسه ،
فإذا أمكنهم تصور الذات بدون صفة قالوا : هذه زائدة ،
وإلا قالوا : ليست زائدة ،
وهذا يقتضي أنها زائدة على ما تصوروه هم من الذات
لا أنه في الخارج ذات مجردة عن تلك الصفة ، وصفة زائدة عليها ،
بل ليس إلا الذات المتصفة بتلك الصفات ،
ولكن يجب الفرق بين أن يقال : إن الصفات غير الذات ،
وبين أن يقال : إنها غير الله ، فإن اسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته ،
فإذا قال القائل : دعوت الله ، وعبدت الله ، فلم يدع ذاتا مجردة ، ولا صفات مجردة ،
بل دعا الذات المتصفة بصفاتها ، فاسمه تعالى يتناول ذلك ،
فليست صفاته خارجة عن مسمى اسمه ولا زائدة على ذلك ،
وإن قيل إنها زائدة على الذات المجردة ،
ومن ظن أنها زائدة على الذات المتصفة بصفاتها التي تدخل صفاتها في مسماها فقد غلط ،
ولكن الأذهان والألسنة تزلق في هذا الموضع كثيرا ،
فإذا قيل : الصفات مغايرة للذات ، لم يكن في هذا من المحذور ما في قولنا :
إن صفات الله غير الله ، فإن اسم الله يتناول صفاته ،
فإذا قيل : إنها غيره فُهم من ذلك أنها مباينة له ، وهذا باطل ،
ولهذا كان النفاة إذا ناظروا أئمة المسلمين
كما ناظروا الإمام حمد بن حنبل في محنته المشهورة
فقالوا له : ” ما تقول في القرآن وكلام الله ؟ أهو الله أم غير الله ؟ ”
عارضهم بالعلم
وقال لهم : ” ما تقولون في علم الله ؟ أهو الله أم غير الله ؟ ” ،
أجاب أيضا : ” أن الرسل لم تنطق بواحد من الأمرين ،
فلا حجة لهم في كلام الله ورسوله ، فإن الله لم يقل لكلامه هو أنا ولا قال إنه غيري
حتى يقول القائل : إذا كان قد جعل كلامه غيره وسواه فقد أخبر أنه خالق لكل ما سواه ” ،
فإن كان الاحتجاج بالسمع فلا حجة فيه ،
وإن كان الاحتجاج بالعقل فالمرجع في ذلك إلى المعاني لا إلى العبارات ،
فإن أراد المريد بقوله : هل كلامه وعلمه غيره أنه مباين له فليس هو غيرا له بهذا الاعتبار ،
وإن أراد بذلك أن نفس الكلام والعلم ليس هو العالم المتكلم فهو غير له بهذا الاعتبار ،
وإذا كان اللفظ مجملا لم يجز إطلاقه على الوجه الذي يُفهِم المعنى الفاسد ،
وأما الذين جعلوا الأعيان القائمة بأنفسها صفات
فهم هؤلاء المتفلسفة النفاة للصفات ومن أشبههم ” اهـ كلامه – رحمه الله – .
وأنت ترى أن أهل السنة سلكوا في هذا مسلكا سليما واضحا ،
فإن قول الإباضية ومن وافقهم : ” صفات الله – عز وجل – عين ذاته ”
قول لم يرد في الكتاب ولا السنة ،
فأهل السنة يسلكون في هذا مسلك السلامة ، فيقولون :
نثبت لله ما أثبته لنفسه ، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه ،
وما لم يرد في الكتاب والسنة نستفسر عن مراد قائله ،
فإن أراد حقا أثبتنا الحق ، وعبرنا عنه بالعبارة الشرعية ،
وإن أراد باطلا نفينا الباطل ،
وهذا قد سبق بيانه في هذه القصة في مسألة إثبات الحد لله – عز وجل –
ومسلك أهل السنة والجماعة في ذلك ، والله أعلم .














كتابة تعليق