إنها قصة حجي (6)

بقلم: فتحي عبد الستار
شهدت السنة التي منَّ الله عز وجل عليَّ بالحج فيها حجَّ الكثير من معارفي وأصدقائي، الذين التقيت ببعضهم إما عن ترتيب واتصال، وإما قدرًا، وكانت اللقاءات غير المرتب لها ذات مذاق مختلف، لما تبعثه في النفس من سرور وانفعال جرَّاء مفاجأة اللقاء غير المتوقع في هذه الأماكن الطيبة. حدث هذا في جنبات الحرم المكي، وفي يوم عرفة، وفي ليالي منى.
في أول ليلة لي بمكة، بعد انتهائي من عمرة القدوم، خرجت أبحث عن جار وصديق لي علمت أنه جاء قبلي مع حجاج القُرعة المصريين، ولكني لم أكن أعلم مكان إقامته، ولم تكن الهواتف الجوالة وقتها منتشرة كما هي الآن، لذا بذلت بعض الجهد حتى توصلت إلى مكان إقامته وزرته فيه، وقد حمدت الله عز وجل على ما يسره لي من إقامة مريحة ومسكن نظيف راقٍ، بعد أن شاهدت الظروف التي يقيم فيها كثيرون غيري.
مكثنا في مكة أربعة أيام في انتظار يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذي الحجة، الذي يحرم فيه الحجاج، ويذهبون إلى منى للمبيت فيها استعدادا للذهاب إلى صعيد عرفة صبيحة يوم التاسع، ولكني فوجئت أن منظمي الرحلة قد قرروا عدم الخروج يوم التروية، باعتباره سنة غير واجبة، وتأجيل الخروج إلى صبيحة اليوم التاسع ليتوجهوا إلى عرفات مباشرة.
ساءني ذلك ومن معي من رفاق حجرتي؛ حيث كنا قد عقدنا العزم على أن نأتي بكل السنن على قدر استطاعتنا، وحاولنا إقناع المنظمين بالخروج يوم التروية إلى منى، ولكنهم تعللوا بالزحام وبرنامج الرحلة، وبعد جهد جهيد أقنعناهم أن يخرج من أراد الخروج منا على مسئوليته وعلى نفقته، ففعلنا هذا، وخرجنا نحن الأربعة محرمين إلى منى للمبيت فيها، بعد أن عرفنا من المنظمين عنوان الخيمة المخصصة لنا هناك، وكذلك مكان إقامتنا في عرفات.
كان الذهاب إلى منى يوم التروية ميسرًا مع بعض الزحام، وبدا لنا أن كثيرًا من منظمي رحلات الحج والمطوفين قد اختاروا خيار القائمين على رحلتنا، فأجلوا خروجهم لصبيحة يوم عرفة.
وصلنا إلى خيمتنا بمنى بعد جهد كبير بذلناه للوصول إلى خيمتنا وسط آلاف الخيام المتشابهة في تلك المساحة المترامية الأطراف، ثم بعد تشاور قررنا ألا نقضي الليل كله في منى، وأن نمضي بعد منتصف الليل إلى عرفات خشية الزحام في الصباح.
ما أن انتصف الليل بنا حتى خرجنا من الخيمة نبحث عن وسيلة تقلنا إلى عرفات، فوجدنا الزحام قد بدأ بالفعل، وأخذ أصحاب السيارات يغالون في الأجرة التي يطلبونها لينقلونا إلى عرفات، هذا إن وجدنا مكانًا خاليًا بإحداها.
بعد وقت ليس بالقليل يسر الله لنا سيارة أخذتنا من منى، وسارت في طريقها إلى عرفات، ولكن الزحام كان شديدًا، والسيارة لا تكاد تسير أمتارًا قليلة حتى تتوقف وقتًا طويلاً إلى أن قاربنا عرفات، فمللنا البقاء في السيارة، فنزلنا مترجلين إلى هناك، وبدأنا رحلة بحث طويلة عن المكان المخصص لمجموعتنا وسط هذه الجموع الغفيرة والأماكن المتشابهة، حتى وصلنا إليها بعد عناء طويل في شروق شمس يوم عرفة، وقد زاد من عنائنا ارتباطنا برفيقنا المسن، وتحركنا على قدر حركته.
عندما وصلنا إلى مكان إقامتنا بعرفة، أخذتني الدهشة مما رأيت، فقد كان المكان أشبه بالأندية والحدائق الترفيهية، فالأرض مغطاة بالنجيل، المنثور على جنباته موائد يلتف حولها مقاعد وثيرة، يظلل كل هذا مظلات وارفة، كما يوجد غرفتان كبيرتان مكيفتان، واحدة للرجال والأخرى للنساء، يوجد بكل منها جهاز تلفزيون كبير، وفي ركن من الأركان ثلاجتان كبيرتان تحويان كل أنواع الأطعمة والشراب، مع سخانات مياه لعمل المشروبات الساخنة.
كانت رفقتنا التي تركناها بمكة قد وصلت لتوها إلى المكان، وقد جلسوا على تلك الموائد يأكلون ويشربون ويدخنون، ويتحدثون حديثهم المعتاد عن كل شيء إلا المناسك وذكر الله!! وبعضهم قد آثر النوم داخل الغرف المكيفة، والبعض الآخر تسمر أمام التلفاز!!.
شعرت نفسي بالاشمئزاز مما رأيت، وأيقنت أني لو مكثت وسط هذه الرفقة فإن هذا اليوم العظيم سيضيع لا محالة، فآثرت الانفصال عنهم مكانيًّا كما انفصلت عنهم شعوريًّا، فذهبت إلى الثلاجة وأخذت بعض المياه والعصائر، وخرجت قاصدًا مسجد نمرة، وفي الطريق وجدت أني لم أكن محتاجًا لأخذ ما أخذت، فقد كانت جنبات عرفة مليئة بالحاويات الضخمة التي توزع المياه والأطعمة والمشروبات على ضيوف الرحمن بغير حساب، وللأسف الشديد رأيت من يتعاملون مع هذا الكرم وهذا العطاء تعاملاً مخجلاً، فقد كان البعض يبالغ في جمع الأطعمة والمشروبات فوق حاجته، ورأيت من يقلب مظلته ليلتقط بها أكبر قدر ممكن من عبوات الأطعمة والمشروبات التي تلقى على الحجيج، ورأيت من يزاحم ويدافع ويصارع لنيل هذه العطايا رغم كثرتها، دون حياء أو مراعاة لحرمة المكان والزمان والإنسان!!.
وصلت إلى مسجد نمرة الضخم، الذي يقع جزء منه في عرفة، والجزء الآخر خارجه، كان المسجد شبه خالٍ، فدخلته وأخذت أسير داخله في اتجاه القبلة حتى وصلت إلى مقدمته ومكان الصف الأول فيه، ووجدتني وجهًا لوجه أمام منبره الذي طالما كنت أرقبه لسنوات عديدة عبر التلفاز، في مثل هذا اليوم من كل عام. ولكني فوجئت بما لم أكن أراه على الشاشة، حيث وجدت المساحة التي أمام المنبر وقد أحيطت بسياج يفصلها عن باقي المسجد، وفرشت بالبُسُط، ووقف على هذا السياج من جميع جوانبه جنود مدججون بالسلاح لحراستها!!.
وقفت مندهشًا لبعض الوقت، ولكني استوعبت الأمر سريعًا، والتمست العذر لهذه الإجراءات، في ظل هذا العدد الغفير من الحجيج، وتحسبًا لأي عمل أحمق قد يقوم به أحدهم.
جلست أمام الجنود، في الصف الأول الذي يلي المنطقة المحمية التي علمت أنها مخصصة للأمراء وعلية القوم، وبدأ الحجيج في التوافد على المسجد، وجلس إلى جواري حاج شاب، كان الوقت متاحًا لإجراء تعارف فيما بيننا، وتجاذب أطراف الحديث حول الإسلام والمسلمين، كان محاميًا باكستانيًّا، سعدت كثيرًا بالحديث معه، والذي كشف لي اشتراكنا في كثير من المفاهيم رغم اختلاف الوطن واللغة والعرق، واكتشفت بشكل عملي جانبًا من روعة هذه الفريضة التي تجمع المسلمين بإخوانهم من كل مكان على ظهر هذه الأرض.
وحينما حل وقت الظهر حضر خطيب عرفة المعتاد، لأشاهده بعيني المجردة هذه المرة، وأسمعه بأذني مباشرة، لا عبر شاشات التلفاز، وتذكرت تلك اللحظة التي عشتها وحكيتها في الحلقة الأولى، وعرفت نعمة الله عليَّ وشكرتها، فصلينا الظهر والعصر جمعًا، ثم خطب فينا الإمام، وبعد انتهائه ودعت جليسي، وانطلقت خارجًا من المسجد لأمتزج بهذه الجموع الغفيرة، كذرة رمل في صحراء شاسعة، أو قطرة ماء في محيط ليس له شاطئ.
أخذت أسير وسط هذه الجموع سعيدًا، يقفز قلبي فرحًا وطربًا، رغم الزحام، ورغم الحر، يلهج لساني بالذكر والدعاء، حتى وصلت إلى مكان إقامة مجموعتي، فوجدتهم كما تركتهم في الصباح على حالهم، ففارقتهم ثانية لأذهب إلى مكان تسكن فيه روحي ويطمئن فيه قلبي، وأستطيع فيه التعبد لربي في أعظم يوم طلعت عليه الشمس.
وفي تطوافي بأرجاء عرفة رأيت عجبًا من أحوال الحجيج، رأيت فيهم الخاشع المتبتل الباكي، ورأيت فيهم التائه الغافل، ورأيت فيهم اللاهي العابث، ولكن يبقى من أفظع ما رأيت مشهد هذا الحاج الذي وقف أمام خيمته يصرخ بهيستيرية ويطلب أن يعود إلى فندقه بمكة؛ لأنه لا يستطيع تحمل ظروف الزحام والحر!! وكلما نصحه أحد بالصبر حتى لا يضيع حجه ازداد هياجه قائلاً: “مش عايز أحج يا ناس، أنا لو فضلت هنا هموت”!! نسأل الله العفو والعافية.
ذهبت إلى صديقي وجاري الذي كنت التقيته بمكة آنفًا، فوجدته يقيم في خيمة بائسة مزدحمة، لا يتوافر فيها شيء أبدًا من مقومات الإعاشة، وهو لا يستطيع الخروج منها وحده لظروفه الصحية، فأخذته وخرجنا إلى رحاب عرفة الواسع، نتأمل في المشهد من حولنا، ونتذاكر نعمة الله علينا، وندعو ونبتهل.
فكرت مع أخي هذا في أن نصعد إلى جبل الرحمة كما يفعل كثير من الحجاج، ولكننا لما اقتربنا منه، ووجدنا الزحام الشديد فوقه، وخطورة الصعود إليه، آثرنا الرجوع، لعلمنا أنه ليس شرطًا في الوقوف بعرفة، وأنه يجزئنا الوقوف في أي مكان بعرفة، فضلاً عما قد يصيبنا من مخاطر إذا حاولنا الصعود.
ولما اقترب الغروب، آثرنا أن نفترق، حتى يكون لكل منا فرصته في الخلوة بربه في الوقت الباقي من اليوم، فأوصلته إلى خيمته، وودعته، وانزويت أدعو ربي وابتهل إليه، وأخرجت ورقة كنت قد كتبت فيها أسماء من أوصاني بالدعاء له في هذا اليوم، فدعوت لكل منهم بما أراد.
بقيت دقائق تفصلنا عن الغروب، فذهبت إلى مكان إقامتنا لأعرف ترتيبات النفرة من عرفة إلى المزدلفة، فوجدت القوم بالكاد يجمعون أنفسهم ليقفوا صفوفًا متجهين إلى القبلة، يتقدمهم أحدهم ليدعو دعاءً جماعيًّا بصوت مرتفع وهم يؤمنون خلفه!!.
حقيقة لم أجد في نفسي قبولاً للاصطفاف معهم ومشاركتهم، فجلست غير بعيد عنهم، أدعو وأبتهل وحدي، حتى فرغوا، وبدأنا في الاستعداد للرحيل إلى المزدلفة.
ركبت الحافلة، وليتني ما ركبت!! ولو قدر الله لي الحج مرة أخرى، فلن أتحرك بين المناسك إلا ماشيًا طالما أستطيع المشي، فقد قضيت الليل كله في الحافلة، ولو أني سرت على قدميَّ كما فعل الكثيرون لكنت قد وصلت إلى المزدلفة في وقت قياسي بالنسبة للوقت الذي قضيته في الحافلة، التي كانت تتحرك أبطأ من السلحفاة نظرًا للزحام الشديد، ولكن قدر الله وما شاء فعل.
تورمت قدماي بسبب الجلوس لساعات طويلة على مقعدي في الحافلة، وتنفسنا الصعداء حينما وصلنا إلى المزدلفة بعد منتصف الليل، فصلينا المغرب والعشاء جمع تأخير، وجمعنا الجمار، وقضينا ليلتنا في المزدلفة، ثم توجهنا بعد الفجر إلى منى لرمية جمرة العقبة الكبرى، وحلق رءوسنا، وكنا قد دفعنا ثمن الهدي قبل الخروج من مكة لإحدى المؤسسات التي تتولى ذبحه يوم النحر.
قررت ألا أذهب إلى مكة لطواف الإفاضة والسعي في يوم النحر، لتجنب الزحام الشديد المتوقع، ورأيت تأجيله إلى اليوم التالي حتى يكون الزحام قد خف قليلاً، لعلمي بجواز ذلك، فقضيت ليلتي الأولى في منى بعد أن تحللت التحلل الأصغر، ثم خرجت في صبيحة اليوم التالي إلى مكة فطفت طواف الإفاضة وسعيت وسط الجموع الهائلة.
لا شك أن الزحام يفرز أخلاق الناس، وفيه تتكشف المعادن والسرائر، ويستثمره الشيطان لاستفزاز البعض حتى في هذا الأجواء الروحانية، وقد رأيت من ذلك الكثير، ومن ضمن ما رأيت حاجين عربيين قد حدث بينهما احتكاك في المسعى نتيجة الزحام والتدافع، فما كان منهما إلا تشاتما وتعايرا بألفاظ قبيحة، ثم أخذ كل منهما بخناق الآخر وتضاربا!! نسأل الله العفو والعافية.
كم كان ألمي يشتد جراء هذه المشاهد التي تؤكد على فرقة المسلمين الذين تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى!! جمعتهم العقيدة والقبلة والشعائر وأحيانًا اللغة، فاجتمعوا حول هذا كله بقلوب متفرقة ومشارب متعددة، وإنا لله وإنا إليه راجعون!!.
وحديثنا متواصل، وفي الحلقة القادمة إن شاء الله أتحدث عن ليالي منى ورمي الجمار، ثم الذهاب إلى مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
نشر بتاريخ: 23 نوفمبر, 2009 التصنيف: مـقــــــــــــــــــالات.
ردود: 1
[ 369 قراءة للموضوع ]
صاحب/ة الرد : يوسف إسماعيل
23 نوفمبر 2009, 11:41 ص
ما شاء الله حديثك عذب جذاب عن هذه الرحلة المباركة، وقد كدت تجعلنا من حسن وصفك، وسلامة تذكرك للأحداث والمواقف أن نشعر أننا نرافقك بل نتأبط ذراعيك في كل موقف ومشهد لنشاركك المشاعر والانفعالات…ننتظر الحلقة القادمة بشغف..














كتابة تعليق