القائمة الرئيسية:

بحث




رؤية إنسانية

العمل الجيد أفضل بكثير من الكلام الجيد.

شارك برأيك

هل تتوقع الوصول لصلح بين فتح وحماس؟

إنها قصة حجي (5)

بقلم: فتحي عبد الستار

كنا قبل أن نشرع في الطواف قد اتفقنا على أن يتولى كل شاب من ثلاثتنا مرافقة الرجل المسن بالتناوب، بحيث لا يضيع منا أو يتعرض لمكروه، وكنت أنا أول من تولى مرافقته، فتعلق الرجل في إحدى يديَّ، وبدأت أطوف معه بخطى متثاقلة، على قدر مشيته، وبالتالي لم أستطع الإتيان بسنة الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، إلا شكلاً، فكنت آتي بحركة الرمل دون أن أرمل، كما يفعل الجنود والرياضيون فيما يسمونه الجري في المكان.

وما هي إلا خطوات قليلة، ولم ينته الشوط الأول من الطواف بعد، إلا وقد فقدت أشرف ووليد، وضاعا مني وضعت منهما وسط الزحام، فبقيت مع الرجل المسن حتى نهاية العمرة.

لا أخفيكم أني قد شعرت ببعض الضيق في البداية، من أنني سأظل ملتزمًا برعاية الرجل المسن حتى نهاية العمرة، وسألازمه في كل أشواط الطواف والسعي، ثم العودة به إلى الفندق، حيث جعلني هذا مقيدًا بعض الشيء، وأخذَت العناية به وتفقد حاله مساحة من تفكيري وتركيزي، ولكني تغلبت على هذه المشاعر باستحضار نية معاونة هذا الرجل على أداء المناسك، طلبا للأجر من الله، واستشعرت ثواب ذلك.

لم يخلُ طوافي من أمور أزعجتني، وعكرت صفو الروحانيات والإيمانيات التي تتملك المرء في هذا المكان، منها:

- الزحام الشديد عند الحجر الأسود، وما يحدث عنده من مهازل يندى لها الجبين، من صراع وتقاتل وتدافع وتشاتم بين الرجال، ومزاحمة النساء كذلك وإلقائهن بأجسادهن داخل هذه المطحنة البشرية، وما يتعرضن له من احتكاكهن بالرجال واحتكاك الرجال بهن، وما يحدث لهن من تكشف أجسادهن نتيجة سقوط حجابهن وتقطع بعض ملابسهن، وما يخرج منهن من صراخ وعويل نتيجة التضاغط لحد الاختناق، كل هذا يحدث من بعض المسلمين، ناسين أو متجاهلين سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في عدم التزاحم حول الحجر والاكتفاء بالإشارة إليه عند الزحام!!.

وأكثر ما يستفزك خروج أحدهم – أو إحداهن – بعد تقبيله للحجر أو لمسه بشعور المنتصر، مع ابتسامة رضى بلهاء على وجهه، وكأنه قد حاز الفردوس الأعلى، غاضًّا الطرف عما فعله – أو فعلته – بنفسه وبإخوانه وأخواته، وهذا لا شك مظهر من مظاهر التدين المغشوش، ومن أخطاء الحج الشائعة.

- ارتفاع الأصوات بالدعاء والذكر، على اختلاف اللهجات، مما يشوش على بقية الطائفين، ويذهب بخشوعهم، وغالبًا ما يحدث هذا نتيجة الطواف الجماعي، بحيث تسير كل جماعة مع بعضها يقودهم أحدهم يدعو ويذكر ويردد وراءه الآخرون، وهو من بدع الحج المنكرة التي تعب في إنكارها العلماء دون استجابة.

ومن الطرائف في هذا أن بعض الطائفين الأفارقة ممن ينطقون الحاء هاء، كان قائد مجموعتهم يدعو: “اللهم إن الهرم هرمك…” يقصد “الحرم حرمك”، مما كان يثير الضحك عند البعض، حيث لا تخفى دلالة اللفظ عند المصريين.

- خطر حاملي المقاعد الخشبية التي كان يستقلها الحجاج المرضى أو الطاعنون في السن ممن لا يقدرون على المشي (كانت هذه السنة آخر سنة تستخدم فيها تلك المقاعد، حيث استبدلت بالكراسي المتحركة على عجلات)، حيث كان هؤلاء جل همهم أن ينهوا الأشواط سريعًا ليحملوا حاجًّا آخر ليحصِّلوا أكبر قدر ممكن من المال، فكانوا يطوفون بسرعة شديدة وهم يصيحون: “خشب خشب”، ليوسع لهم الناس الطريق وإلا داسوهم أو جرحوهم أو طرحوهم أرضًا، وقد سمعنا أن بعضهم كان يخدع الحجاج، ولا يكمل السبعة أشواط.

- حرص بعض الحجاج على تقبيل واستلام كل شيء في الحرم، فهم يقبلون كل ركن من أركان الكعبة، ويتمسحون بكل شبر فيها، وكذلك يفعلون بسور الحِجْر، والواجهة الزجاجية لمقام إبراهيم، وكان يؤلمني جدًّا ذهاب الكثير من المسلمين لأداء هذه الفريضة العظيمة دون أن يتعلموا أداء المناسك بصورة صحيحة كما علمها إيانا النبي صلى الله عليه وسلم، مما يفوت عليهم الكثير من الأجر، أو يوقعهم في كثير من الإثم، وقد يؤدي الحال عند بعضهم – بسبب الجهل – إلى بطلان العمل، نسأل الله العفو والعافية.

وقد اكتشفت أنه – للأسف الشديد – ونحن في هذا المكان الذي يجب أن يتوحد فيه المسلمون جميعًا على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ودرجاتهم، بدا المسلمون وإن اتحدوا في المكان وجمعهم البنيان وتشاركوا في المناسك، إلا أن قلوبهم متفرقة، ليست أبدًا كما أراد الله عز وجل لها أن تكون بهذا الركن العظيم وهذه الفريضة العظيمة، فتجدهم في هذا المكان الطاهر كما هم في غيره من بقاع الأرض، يتربص بعضهم ببعض، ويتوجس بعضهم من بعض، ويتعالى بعضهم على بعض، وهذا لا شك يفقد الحج أغلى قيمة له، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

انتهينا من الطواف، فذهبنا إلى خلف المقام لنصلي الركعتين، ثم نزلنا إلى زمزم لنشرب من مائها ونجدد وضوئنا، وقد تم بعد هذا الموسم ردم القبو الذي كنا ننزل إليه للشرب، وتمت تسويته بأرضية الصحن لتوسيع المطاف، وبناء عليه تم نشر الكثير من الصنابير في أماكن متعددة من الحرم.

بعد صعودنا من قبو زمزم، توجهت إلى باب الصفا من الصحن، وأخذت أسأل عن الصفا، حيث يجب أن نبدأ السعي من هناك، وطبعًا اندهشت بعض الوقت من مشهد جبل الصفا حين وصلته، أو بعبارة أدق ما تبقى من جبل الصفا، الذي كان وقتها عبارة عن بعض الأحجار التي تم طلاؤها باللون الأخضر، وكذلك المروة الذي أزيل تمامًا وتم تمييز مكانه ببعض الطلاء الأخضر للأرضية.

أذَّن المغرب أثناء سعينا بين الصفا والمروة، ورفيقي لا يزال متعلقًا بيدي، لم يفارقني لحظة، فصلينا المغرب، وأتممنا السعي بفضل الله، ثم خرجنا من باب المروة حيث محلات الحلاقة لنقصر شعر رؤوسنا، مؤجلين الحلق إلى ما بعد سعي الحج.

انتظرنا لصلاة العشاء، ودفعني الفضول إلى الصعود إلى سطح الحرم لاكتشافه والاستمتاع بمشاهدة الكعبة والحرم من أعلى، وهي تتلألأ تحت الأضواء المبهرة، فصعدت مع رفيقي إلى السطح بمساعدة السلالم المتحركة، وصلينا العشاء على السطح، ثم انطلقنا إلى الفندق، لنخلع لباس الإحرام ونغتسل، ونرتدي ملابسنا العادية، لنقضي أربعة أيام في مكة قبل أن نحرم مرة أخرى للحج.

في الحلقة القادمة أحكي لكم عن تفاصيل أول ليلة لي في مكة المكرمة، وما تلاها من أيامٍ وليالٍ وما شهدته من أحداث.

كتابة تعليق