إنها قصة حجي (3)

بقلم: فتحي عبد الستار
وصلت لصالة سفر الحجاج بمطار القاهرة، فودَّعت من رافقوني، وأنهيت إجراءات السفر سريعًا، فلم أكن أحمل من الأمتعة إلا حقيبة يد متوسطة الحجم، ليس بها إلا ملابس قليلة وبعض الأدوات الشخصية.
بعد إنهاء الإجراءات جلست في انتظار ركوب الطائرة، منشغلاً بذكر الله والدعاء، والتأمل فيما حولي، حيث كان المكان يعج بالحجاج ذوي الهيئة الواحدة واللباس الواحد، البياض يعم المكان، والهدوء والسكينة ومشاعر الفرح والترقب تملأ القلوب، وتضفي جوًّا من السكينة والخشوع، حيث لا يتميز من حيث الظاهر أحد عن أحد، وإنما التمايز يكون بحسب ما يعتمل في قلب كل واحد من مشاعر ونيات.
قطع هذا الشعور الجميل بعض المشاهد التي بدت نشازًا وسط هذه الأجواء، مثل حاج يرتدي ملابس الإحرام يحمل في يده سيجارًا ينفث دخانه بلا مبالاة عجيبة!! ومجموعة مختلطة من الرجال والنساء بزي الإحرام أيضًا يدور بينهم حوار بصوت مسموع عما ينوون شراءه من أجهزة حديثة وهواتف نقالة، وغيرها من المشاهد المستفزة.
أدركت في هذه اللحظة سمة من سمات “الحج السياحي” الذي سعدت في البداية عندما علمت أني فزت به، فاكتشفت وأنا في المطار مع رفقاء الرحلة والدرجة أنه نظرًا لارتفاع تكلفة هذا النوع من الحج، فإنه لا يقبل عليه إلا الأثرياء من رجال الأعمال والوجهاء، وكثيرًا من هؤلاء تجد مفهومهم عن التدين والعبادة قاصرًا، متوقفًا على المظاهر، يندر فيه الإحساس بقيمة العبادة الإيمانية والروحية.
ومنذ هذه اللحظة وطوال فترة الرحلة حتى عودتي إلى بلدي وأنا أشاهد من هذه الرفقة مشاهد مضحكة ومبكية في آن واحد، سآتي على ذكرها في مواضعها بإذن الله.
أخذت متنقلاً بين الذكر والتأمل فيمن وفيما حولي، طوال فترة انتظاري لركوب الطائرة، تعرفت خلالها على وليد وأشرف، وهما رجلان كانا في ذلك الوقت في نهاية الثلاثينيات من العمر، جلسا بجواري وتجاذبنا أطراف الحديث، وجدتهما أقرب لي ولتفكيري ومشاعري، فسرت بيننا مودة جمعتنا حتى العودة، وعرفت أنهما زميلان لبعضهما، واتفقنا على الصحبة طوال الرحلة.
عرَّفني وليد وأشرف على رجل طاعن في العمر، أحنى الدهر ظهره، وسلب منه الكثير من صحته وحيويته، وحتى صوته، تبين أنه والد زميل لهما أوصاهما أن يعتنيا به ويرعيانه، وانضممت بعد تعارفي عليهما إلى لجنة الرعاية هذه.
ركبنا الطائرة، وكنت قد نويت على أن أعقد نية الإحرام بمجرد إقلاع الطائرة، احترازًا من فوات الميقات، فأحرمت وقضيت وقت الرحلة في التلبية والذكر، ومراجعة المناسك، ومكابدة الشوق لبيت الله.
هبطت الطائرة في مطار جدة، وقضينا وقتًا طويلاً نسبيًّا في الإجراءات، نظرًا لشدة الزحام وكثرة الطائرات التي لا ينقطع هبوطها في المطار في مثل هذا الوقت من كل عام، وهالني وأنا في المطار هذا التنوع الكبير للجنسيات والألوان والأشكال، شعوب وقبائل مختلفة، أتت من كل فج عميق لأداء هذه الفريضة الغالية، تجمعهم وحدة العقيدة، ووحدة التوجه، ووحدة الكتاب، ووحدة الرسالة، ووحدة اللباس، وإن فرقتهم الحدود واللغات.
وما أجمل أن تشعر أنك جزء من هذه المنظومة الرائعة، تأخذ مكانك فيها، وتنتمي إليها، وتنتمي لك، لكن في مقابل هذا الشعور الرومانسي وجدت شعورًا آخر بالحسرة والألم يفرض نفسه عليَّ وعلى كل متأمل لهذا المشهد، نتيجة تفرق هذه الأمة واختلافها فيما بينها وضعفها وتأخرها عن الأمم، وقد ملكتْ كل مفاتيح الوحدة والتقدم والرفعة!!.
ما القيمة العملية لعبادة يقوم بها الملايين في صعيد واحد، ووقت واحد، وبشعائر واحدة، دون أن تؤلف هذه العبادة بين قلوبهم، وتوحد أهدافهم؟!! وما شرعت هذه العبادة فيما شرعت له، إلا لكي تكون مؤتمرًا إسلاميًّا جامعًا، يجدد فيه المؤتمرون عهدهم مع ربهم، ويؤكدون على أواصر الوحدة والإخاء فيما بينهم!!.
غرقت في هذه المشاعر، ولازمتني طيلة فترة الحج، كانت تتجدد من حين لآخر كلما رأيت ما يوقظها من مواقف سلبية لأناس جمعهم المكان والزمان، وفرقهم الهدف والوجدان.
انتهت الإجراءات، وخرجت من مطار جدة مع طلوع فجر يوم الجمعة، صلينا الفجر، وانتظرنا بعض الوقت ريثما تأتي الحافلة التي ستنقلنا إلى بلد الله الحرام، مكة المكرمة، قضيته وغيري في التلبية والذكر وتناول بعض الطعام، وقضاه البعض في إجراء اتصالات تليفونية والسؤال عن بعض أسعار بعض السلع والمنتجات!!.
في الحلقة القادمة، أتحدث عن دخول مكة المكرمة لأول مرة، وكيف قضيت عمرة القدوم، وما صاحب هذا من مواقف تستحق الذكر.
نشر بتاريخ: 18 نوفمبر, 2009 التصنيف: مـقــــــــــــــــــالات.
ردود: لا يوجد
[ 289 قراءة للموضوع ]














كتابة تعليق