إنها قصة حجي (2)

بقلم: فتحي عبد الستار
بدا الوقت الذي عليَّ انتظاره طويلاً طويلاً، سنة كاملة لا أدري ما الله صانع فيها، فكيف وأنا قلوق بطبعي!! ولكني لا أملك إلا الانتظار، مع تصبير النفس وطمأنتها بأن كل شيء بقدر الله عز وجل، وهل كنت أتوقع الفوز بهذه الجائزة أصلاً!! وما دام الله قدر لي الفوز بها، فهو قادر على أن يتم الأمر، وإن لم يشأ فتلك إرادته سبحانه ينفذها كيف يشاء.
كانت فترة الانتظار الطويلة تلك حافزًا لي على الاجتهاد في الطاعات والقربات، ودوام الدعاء أن يتم الله عز وجل عليَّ نعمته وأذهب لقضاء هذه الفريضة الغالية على قلب كل مؤمن.
كنت طيلة هذه الفترة كلما سمعت حديثًا عن الحج، أو حتى أغنية أو أنشودة تتحدث عن مناسكه ومشاعره، أجد قلبي يهتز في مكانه، وتتسارع دقاته، ولا أستطيع التحكم في دموع الشوق واللهفة، فلم أنتظر في حياتي انتظارًا بهذا الشوق.
وبرغم كثرة ما كنت أشاهد الصور الواقعية الحية والثابتة للحرمين، إلا أنني كنت عندما أغمض عيني وأتخيلني وأنا أخطو إليهما ثم أدخلهما كنت أراهما بعين أخرى وبجلال أعظم، لا أدري كيف!! وكم كانت تأتيني الأحلام في نومي، فأرى نفسي أؤدي المناسك، وأطوف حول الكعبة، فأصحو من نومي مستبشرًا مؤملاً داعيًا باكيًا.
لا أعرف لماذا كنت متخوفًا ألا تتم الرحلة لأي سبب من الأسباب، وكانت نفسي تحدثني: لا تطمئن حتى ترى الكعبة بعينيك، وزاد من قلقي تثبيط بعض الصحب والرفاق والأقارب، وتشكيكهم في إمكانية تحقيق تلك الأمنية بهذه السهولة، وبهذه الظروف، ومنهم من أكد لي بل ونصحني ألا أعيش على الأمل، وعليَّ أن أستعد لتلقي الصدمة باعتذار المدرسة لأي سبب.
لم يكن التخوف من اعتذار المدرسة هو الهاجس الوحيد، فقد كانت هناك هواجس أخرى كثيرة تنتابني، كنت أفلت منها كلما هاجمتني بتذكير نفسي بأني عبد لله، أسير في حياتي وفق مشيئته ووفق قدره، وما قدره ربي سيكون، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
أرقني أيضًا توفير مصروفات الرحلة من طعام وشراب وهدي التمتع، والهدايا، ولكن الله عز وجل من عليَّ بقيام خالتي بإشراكي في “جمعية” صغيرة، محصلتها ألفا جنيه مصري، أكملت عليها بمنحة جاءتني من عملي بمناسبة الحج، واشتريت ألفي ريال سعودي، سافرت بها، فأكلت منها وشربت وقدمت الهدي، واشتريت الهدايا للأهل والأحباب، وعدت منها بعد ذلك كله بخمسمائة ريال، لا أدري كيف!! ولكنه رزق الله وبركته سبحانه.
صحب هذه الفترة انتقالي لعمل جديد، ومجال جديد، شغل ذهني وتفكيري ووقتي لحد ما، مع ما رافق هذا من صداقات وعلاقات جديدة، كان لها أثر كبير في حياتي حتى الآن.
أخذت أقرأ وأبحث وأسأل عن كل شيء يخص الحج، ويخص مكة والمدينة، المناسك بواجباتها وسننها وشروطها ومستحباتها ومحظوراتها، الأماكن والمشاعر، المناخ وظروف الإعاشة، كل شيء، حتى حفظت ذلك عن ظهر قلب.
ولا يفوتني في هذا السياق أن أشكر وأعترف بالفضل لأخي الفاضل وزميلي العزيز الأستاذ محمود إسماعيل، مدير الصفحات المتخصصة بشبكة إسلام أون لاين، ومنها صفحة الحج، ومحرر صفحة فتاوى الحج والعمرة، فكم كنت أزعجه في اليوم أكثر من مرة بأسئلتي التفصيلية عن المناسك، وكان – جزاه الله خيرًا – لا يمل من إجابة أسئلتي والشرح المفصل، كما أسدى إليَّ من خبراته الكثير في تفاصيل معينة لا توجد في الكتب، وما زلت أضحك كلما أتذكر اليوم الذي كان يعلمني فيه كيفية ارتداء الإزار، ونصيحته لي بأن أباعد بين ساقيَّ قليلاً قبل أن أعقده، حتى أعطيهما مساحة للحركة بحرية أثناء المشي، وإلا كانت مشيتي كالإنسان الآلي، ونصيحته لي بحلق الشعر الزائد قبل الإحرام بيوم أو يومين لأعفي نفسي من الشعور بالألم عند نزول العرق على الأجزاء المحلوقة حديثًا.
أخذت الأيام والشهور تمضي ثقيلة، أعد ساعاتها ودقائقها، حتى انقضى رمضان هذا العام، فازداد خفقان القلب، وارتفعت وتيرة القلق، وبدأت أراجع المدرسة للتعرف على التفاصيل.
كانت تلك أول سفرة لي إلى خارج البلاد، فقمت باستخراج جواز السفر، وإعداد الصور والأوراق اللازمة، وسلمتها للمختص، وبدأ قلق وانتظار وترقب من نوع آخر، وهواجس أخرى جديدة، فقد ظهر الحديث وقتها عن التأشيرات التي تأتي بطرق التفافية كانت ترفضها السلطات السعودية، وتعيد حامليها إلى بلادهم بعد وصولهم إلى الأراضي المقدسة، ويا له من شعور في غاية الألم لا يعرفه إلا من ذاقه، وقد قابلت بعضهم قبل سفري بأيام، وسمعت زفراتهم، ورأيت دموعهم، وشعرت بحسرتهم.
دخل شهر ذي الحجة، ولم تأتِ التأشيرات بعد، وكل يوم أتصل بالمختص أكثر من مرة للسؤال، مذبوح بين اليأس والأمل، حتى جاء الاتصال الذي بشرني فيه بقدوم التأشيرة، وبلغني بموعد السفر الذي كان يوم الرابع من ذي الحجة!.
فرحة لم أعرف مثلها في حياتي إلا يوم ذاك الحفل الذي علمت فيه بفوزي بالحج، أبلغت كل من حولي، اتصلت بكل أحبابي، اشتريت لباس الإحرام ومتطلبات الرحلة، راجعت المناسك مرات ومرات، أكثرت من الدعاء والتضرع أن يتم الله الرحلة على خير.
أراد بعض الأقارب والأصدقاء أن يجهزوا لي بعض المراسم، كما يفعل كثير من حجاج مصر، من تعليق الزينات، وخروجي من منزلي إلى المطار في “زفة” من السيارات التي تطلق آلات التنبيه، تعبيرًا عن الفرحة، ولكني رفضت هذا شاكرًا لهم، لعلمي أن الحج عبادة ينبغي فيها الإخلاص لله عز وجل، وأن تلك المظاهر والمراسم قد تؤثر في نية المرء وتحبط عمله، والفرح كل الفرح يكون في القيام بها كما أمر الله وعلمنا رسوله صلى الله عليه وسلم، واستشعار القبول من الله عز وجل.
ومن الطرف التي لا أنساها – أختم بها هذه الحلقة – أن زوجتي أم نور أرادت أن تغمر البيت بأجواء هذه الرحلة الإيمانية وفرحتها، فنزلت لكي تشتري شريط كاسيت لأناشيد وأغنيات الحج حتى نسمعه في البيت فترة التجهز للرحلة، فبحثتْ كثيرًا ولم تجد، حتى وجدت عربة من العربات المنتشرة في وسط المدينة تبيع أشرطة الكاسيت، فسألت البائع سؤال اليائس عن شريط لأغاني وأناشيد الحج، فأعطاها شريطًا وصفه بالممتاز، وقال لها: “خدي ده وخلِّي الحاج يدعي لنا”، فأخذته دون أن تعرف ما فيه، ولما جاءت إلى البيت ووضعته في الجهاز وجدنا صوتًا نسائيًّا لمطربة شعبية، يصاحبه موسيقى وكورال شعبيين، تغني قائلة:
“رايحة فين يا حاجة يا ام الشال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة”
فضحكنا كثيرًا على هذه الكلمات البسيطة واللحن العفوي، وقلت لزوجتي مازحًا: “هو قال لك مين اللي يدعي له، الحاج واللا الحاجة؟”
وجاءني ليلة سفري أخوان عزيزان، ليصحباني إلى المطار، فاغتسلت وتطيبت، ثم ارتديت لباس إحرامي، وودعت أهلي، وخرجت من بيتي متخفيًّا، طلبًا للإخلاص، بعد أن وضعوا السيارة أمام باب المنزل تمامًا، وانطلقنا إلى المطار.
في الحلقة القادمة، أروي لكم مشاهداتي الإيجابية والسلبية، ومشاعري المختلفة، منذ وصلت إلى مطار القاهرة.
نشر بتاريخ: 2 نوفمبر, 2009 التصنيف: مـقــــــــــــــــــالات.
ردود: لا يوجد
[ 354 قراءة للموضوع ]














كتابة تعليق